top of page

هنا سأدون حكايتي، برغم علمي المُسبق أنني لا أتميز على أي أحد في شيء، إلا أن حكايتي فريدة
وفرادتها تأتي من حقيقة أنها لا تشبه سياق أي حكاية
هي لي وحدي، وتُحكى عني فقط
لا أحد يشبهني، كما أنه لا يوجد أحد يشبهك

 

انا نايف ناجي

من نجران- السعودية

مواليد

16/11/1991

 

قد يبدأ بعضكم بتصنيفي مباشرة

وهؤلاء بالذات يحتاجون لقراءة حكايتي كاملة

-

وُلدت وفوق راسي سقفٌ من النخل والطين

وتحت رجليّ دَرج متفاوت الحجم واللون

جُدران البيت منحوتٌ في منتصفها خط طويل

أظنه يشير (مرحباً بالضيف)

ينبثق منه قطع صغيرة من القش

-

ذقتُ طعم الطين في صغري

ومَشيت حافي القدمين بحملٍ خفيف

والآن في عمر الثلاثين أرتدي( شوزاً)

لماركة عالمية لكنّ  حملي ثقيل

-

كنتُ أعيش حياة شبه شيوعية  

فلا مُلكيّة مُطلقة لأحد، فالتلفاز للجميع

والأطفال للجميع

-

 كنّا مجموعة من الأطفال، متقاربين في السن

من نفس العائلة

نخاف من الكبار بلا استثناء

فالكل كان يُربي ويُوجه ويُعلم ويُقدّم

-

البيوت كانت على شكل مربع ويتوّسطها فناء 

وفي منتصفه صخرة لا يظهر منها إلا رأسها

نَطحن فوقها الحَبوبَ والهموم

كان هذا الفناء بالنسبة لي مدينة مقدّسة

وملاهٍ فارهه

-

نلعبُ بأي شيء وكل شيء

من الحِجلة، إلى الغُمّيمَة

وينتهي بنا الملل لنبني بيوتاً من الإسطبلات

-

عشاؤنا كان من بقايا الغداء، نَجتمع بعد المغرب

وكل طفلٍ يُخرج من بيتهم صحن

فيه من كل شيء إلا وجبةً كاملة

لنُكملُه بصحنٍ آخر

-

كبُرنا، واعتلينا الدرّجات

فاتسعت رقعة حدودنا

وأصبح الشارع حلم من لا حُلم له

 ناهيك عن فترة العصر

نُصلح فيها ما اهترأ من الدرّاجة

 

المرحلة الابتدائية 

درستُ في مدرسة بجوار بيتنا

كنتُ أظن أن كل بيت كبيتنا

حتى أدركتُ أن الناس طبقات، من غنيٍّ وفقير

 طبقات متعددة لكنّها غبيّة

كَرِهتُ المدرسة وبَكيتُ لحول كامل

لا أعلم، ولكن قد يكون إنذاراً فطرياً

بأنني لا أُطيق السجن والأسوار

-

تميّزتُ في دراستي، تعلمتُ أن أكتبَ

ونسوا أن يعلمونني كيف أُفكر

فالمدرسة ما هيَ إلا جدرانٌ من الأسمنت المنيع

ومشنقة لكل إبداع طفولي

-

كنا نُضرب بالعصا واللّي واليد

وعِبارة (هاكم إياه لحم فردوه لنا عظماً)

كانت سيدة الموقف

كِنايةً لطريقة التربية، بالقسوة طبعاً

!والغريب منّا من لم يُضرب ذلك الصباح

 

المرحلة المتوسطة

في هذه المرحلة زادت الفروقات والتفرقة

لأسباب قَبليّة، عرقية وطائفية

وقد جرت العادة أثناء الفُسحة

أن نتحزّب عن كل من لا ينتمي إلينا

ْفالمسافة بيننا مترين وإرثٌ قديمٌ متسخ

أما الأجانب من الجنسيات الأخرى

فكانوا بمعزلٍ عن كل هذه التصنيفات

-

كانت الرموز الدينية مقدّسة جداً

واندلعت مضاربات لا تنتهي لأجلهم

يكاد ألا ينتهي شهرٌ واحد

دون مضاربة واحدة على الأقل

-

نشأتُ في مجتمع

يعيش داخل لوائه مجتمعات أخرى متفرقة

الكُره منتشر، الكل يرى نفسه أفضل من الكل

ولأسباب لا يد لنا فيها

فمن يختار نسبه؟

ومن يختار طائفته؟

كان العقل المتطرف هو المسيّطر في تلك الفترة

فانطفأت آخر شمعة طفولية معه

 

المرحلة الثانوية

كانت هذه المرحلة لطيفة، وبدأت العقول تنضُج قليلاً

ويعتليها بعض من بقايا العنصرية

كان شِعار هذه المرحلة (الرُجولة)

والسبب تغيّر أصواتنا، ونمو الشعر في لِحانا

-

أحببتُ الشعر واللغة العربية

فـ أبي كان يَدرسها فأثر ذلك في توجّهي

 أما مادة التعبير، كانت حملاً لا أُحبه

بالرغم من حبي للتعبير في مراحل متقدمة 

وكأن وثاق مشاعري انّفك

لأعود إلى نفسي

-

نتائجي الدراسية بدأت تتصاعد وتٌثمر

فأهلّتني لإكمال الجامعة رغم خوفي من كل جديد

بدأتُ كتابةَ الشعر بمحاولات متعثرة جداً

كان الحُب هو الباعث الحقيقي لها

 برغم أنّ الحُب محرمٌ في زمن الصحوة الذي عايشته

-

نسيتُ شيئاً لم أذكره قبلاً

فقد انتقلنا في مرحلة المتوسطة لبيت جديد

أوهمني بأنني صرتُ متطوراً

فبعدَ الحصير ها أنا أنامُ على السرير

لكنني أدركتُ أن الأرض هي أمي الثانية

فالأرض هي الوطن الأول والأخير

 

المرحلة الجامعية

حالي كان كحال كل طالب سعودي

تخرجتُ من الثانوية وفي جعبتي أحلامٌ لا أعرفها

وأوهام - أنني طالبٌ متفوق- لا أعرف كيف أفسّرها

... خَطوتُ إلى وجهة غامضة

كنت سعيداً لأنني تبرأت من (فُسحتي البيتوتيه)

سعيداً لأن فكرة الجامعة ترتبطُ بالاستقلالية

و واقع الجامعة أخبرني بأن همّي عظيم

فيممتُ إليها ولازلتُ محتاراً، ولا أعرفُ ماذا أريد

وسؤالي هنا

كيف أعرفُ نفسي إن لم أكن قد اكتشفتها من قبل؟ 

تعلمتُ من الحياة أن من التربية أن نحترم ذواتنا

أن نُقدّر هواياتنا، فهي المسار إلى اكتشاف أنفسنا

.ولكن في مجتمعٍ كمجتمعي، فهذا كله هراء

في الجانب المقابل أتعجّب

فكيف لي أن أعتني بهذه التفاصيل -كـ أبّ

!!إن كان عدد أبنائي يفوق الخمسة بل العشرة

-

كنتُ أُكثر الالتفات حولي

 هل من قبس؟ هل من ضوء يغشى هذا الليل؟

فما هو مجالي؟ وأين مكاني؟

وخلُصت إلى أنني سأختار أفضلَ مهنة يحبها الجميع

وليتني ما اخترت إلا برضاي والإجابة كانت(طبٌ بشري)

لم أدرس هذا التخصص حباً فيه

بل لأنه رُشح لي كتخصص ذو قيمة

ولو كنتُ أعرفني جيداً حينها لكنت فيلسوفاً

-

.بَدَأت رحلتي من جدة، وبأبهى حلّة

فها هي جامعة الملك عبد العزيز

.تفتحُ أبوابها للعابرين و للطلاب الحائرين

وصلتُ إلى جدة بعقالٍ من تحته شماغ

كنتُ أحاول أن لا يختل توازني

وأن لا تتسخ ثيابي

فهذا في ظني هو المظهر الألِق 

ها أنا في الجامعة، أتيتُ من روح عالمٍ آخر

.عالم لا ينتمي لا لجدة ولا لأبنائها

كانت بداوتي تسبقني إلى كل شيء

فصديقي الجديد بدا غير مُرتاحاً من كرمي الغير مؤدب

فما أرافقه حتّى أضع مالي وفقه ألف يمين

.لكنّه ملّ من عروبيتي، أو من غبائي

-

بَدأتِ السنة وكنتُ واضعاً نصب عيني الطب كنهاية

غير أن هذا الحلم تبدد

لأستيقظ مُدركاً أنني لست هناك بعد

كانت كلماتي الإنجليزية ساذجةً

بل بسيطةً بحجم بساطة فهمي للحياة، فما العمل؟

السنة التحضيرية متخمةُ بالعلم

والذي لُخصّ لي أيام دراستي السابقة

بل ومكتوبٌ بلغة لا أفهم منها إلا (مرحبا) و (وداعاً)

 ما الحل؟ وماذا أفعل؟

!عاد الليلُ الذي أخشاه، كنتُ خائفاً

 ولكنّ القَدر بدا لي فجأة وكافأني بحبه

وظَهر مالم أعلم

فها هي بعثةٌ تظهر لي كالنهار

مخبرةً إيايّ بأن الحظ لازال يتنفسُ في عالمنا

-

 قُبلت في البعثة، فبدأ حُلم (الطب) من جديد

غادرتُ الجامعة، و ودّعت جدة

كنتُ لا أعرف من الإنجليزي إلا (مرحبا) وقد قلتها

والآن أتى وقت الوداع فـ( وداعاً)

ودعتُ كل شيء لي هناك، وذهبتُ إلى المجهول

 

البعثة

لا أدري، كانت مشاعري غير مُدركة إلى أين سأذهب

كان إدراكي جنونياً إلى حدٍ لا يوصف

فأنا سأعيش هناك في البعيد سنين

لم أكن أفهم ما معنى تسع سنين

-

تعلمتُ مع وجع الأيام، أن الطموح يقابله مجازفة

فلا شيء بالمجان إلا حبُ أمي ورعاية أبي

وبقدر قوة الطموح تكون روعة المجازفة

-

كان وعي آن ذلك بسيط

وهو من دفعني إلى هذه الرحلة

إلى رحلةٍ جمعتُ فيها ذاتي، ذاتاً ذاتاً

-

وصلتُ إلى التشيك

كانت خضراء.. خضراء

كأنها عِقد من الطبيعة الخضراء

فمنذ أن رأيتُ مسؤول البعثة حتى وصلنا

ونحن في طريق يحفه الجمال، فارتاح البال

-

في الطريق رأيتُ لوحات الشارع تنظر إليّ بتعجبٍ

فأنا لا أفهمها، وهي كذلك لم تفهم عروبتي وفخري

كنتُ نعم عربياً، و هذه المرة بلا عقال يتوسط شماغي

-

بَدأتْ أيام الغربة، لتَظهر معها ملامحي

وتُستثار أسئلتي، لأعيش في حيرتي وأحياناً حريتي

درّسني أساتذة لم يكونوا مسلمين

لكنّهم كانوا مسالمين، مساعدين، وإنسانيين

كانت أرواحهم كالظل اللطيف

ومشاركتهم لحياتهم ألطف

الغريب أنني ولأول مرة وجدتُ الخير

هذا الخير كنتُ أظنه شيئاً لا ينمو إلا في بلادي

تعلّمت أن الخير في الجميع، وللجميع

أهم  كفّار؟

إن لم يكونوا هم، فمن إذاً؟

إنهم يحسنون إليّ

حينها لم يكن لي خيار إلا أن أُعيد بنائِي من جديد

بناءً يليق بي

وسأنسى تلك العشرين سنة التي مضت من حياتي

-

 خلال تعلمي للغة، تعلمتُ  التفكير أيضاً

كنتُ لا أنام الليل متسائلاً

وكأنّي نزعتُ خيط مِسباح فتساقط كالمطر

اللعنة، هذه الأسئلة كالمطر

فهل حظي كبير لأُولَد في المكان الذي وُلدت فيه؟

هل أنا حظي عظيم للأنني عربي؟

فأنا ابن فلان الفلاني؟

ربيب الدين الفلاني؟ والعرق الفلاني؟

!اللعنة.. الأسئلة الوجودية تبتلعُني

بين النزاع والمُنازعة، قررتُ أن أرسم دائرة كبيرة

أكبر من تلك التي رسمتها

دائرةً ضمّنت فيها كل من عَبَد الله وكل من كان خيّرا

مضيتُ أُفكر، وأُفكر، والتزمتُ بالإنسانية طريق

فالأخلاق النبيلة لا تصدرُ إلا من إنسان حقيقي

لا يرى أحداً دونه

والإنسانية هي أعظم وصف يُوصف به الإنسان

-

حاولت ولا زلت أبني أفكاري

وأُلاحظ أفعالي وسلوكيّاتي

 فوُلدت من جديد

ها أنا  شخصٌ متحمسٌ لكل سؤال

لكل إجابة

 ولكل تصرف إنساني

ما أعظم هذا الشعور

إنني أُفكر، أُفكر لوحدي ... ولا يهمني أي شيء

  

جامعة تشارلز

انخرطت في الدراسة كثيراً، ونسيتُ نفسي أكثر

كان جسم الإنسان خريطة معّقدة بالنسبة لي

فها هو التشريح يُشرّحني إلى أوقات مذاكرة 

لم يكن حينها الطب محببٌ إليّ

كنتُ نتيجةً لتدريس خاطئ، يقوم على التلقين

لم أكن إلا كورقة تحفظ ما عليها دون فهم عميق

كان تحدٍ كبير أن أُسقطَ كل ما عرفته في مدراسنا

لأحاول بناء طريقتي من جديد

-

انتهى التشريح لتبدأ (وظائف الأعضاء) في العمل

فأنقذتني ببراعة التصميم الدقيق، والإبداع العجيب

ها أنا ذا أدرسُ الكيان الإنساني

ها أنا ذا أدرس الدماغ وأنساني

!وما أجمل هذا التعقيد

تعثّرت كثيراً لأتعلم، ولم أكن متميزاً

كنتُ أقع، لِأعاود الكرة... حتى نجت سفينتي

-

بدأ الحظ من جديد يظهر لي بعد طول غياب

لأكون في محاضرة غيّرتني

كانت اختيارية، لكنها غيّرتني

عنوانها كان (طريقة تكوين الذاكرة)

ماذا؟ الذاكرة؟

أتقصدون ذلك الشيء القابع في العمق والذي يُمثلنا؟

من نحن دون ذواكرنا؟ فبدونها نفقد قيمتنا

كنتُ مثل الأم التي وجدت ابنها

فما لَبثتُ إلا وبكل جوراحي أصغيت

وجدتُها يا أنا، وجدتُها

 فها هي الفلسفة تعود إليّ مرة أخرى

وهذه المرة بشكل علمي

فيا سادة يا كرام، ترقبوا ما سيأتِ ويكون

علم الأعصاب كان المخرج من روتينيَ الملعون

 -

في سنتي الخامسة، بدأت أتحدثُ عما أُحب

فأسست بودكاست يخُصني

كنت راضياً عني

فعندما سمعتُ صوتي في البودكاست لأول مرة

 كدت ألا أنام

فها أنا بين كتاب، ومقال، وجدال، حول على الأعصاب

 

عام التخرج 2020 

أصبحتُ طبيباً و أولاً ليس آخراً

فبعد سنون طويلة، ها أنا ذا استهزأ بالوقت

نسبيّة الوقت تُصبّرنا على الحياة، الوقت لا معياري

هو إحساسات، إحساسات شعورنا الأعمق

-

 بَدأتُ حياة تُشبهني كثيراً

وانطلقت بعيداً عن الواجب إلى المُحبب

فحُرّيتي كان لا بد منها

-

عدتُ إلى بلدي بعد سنينٍ تسع، وبعمر الثلاثين 

ْعدتُ ولستُ مثلَ قبل

عدتُ طفلاً بعمر التسع سنين، ورجلاً بعمر الثلاثين

ًإنني ممتنٌ للمجهول الذي خُفت منه يوما

وممتن للمُجازفة التي لم أدركها جيّدا

 فهي صنعتني كعلامة استفهام لا تهدأ

مغامرتي لا يشتهيها الجميع

لكنها شهوتي، وحكايتي، هي أنا ببساطة

-

ها أنا أعود موقناً أنّ الدرس العظيم من تجربتي

هو إدراك أننا جميعاً بشر، يجب أن نحترم البشر

وأن التحزبُ كان دماراً لطفولتي

فهو ليس إلا أداة شر أَقنعنا بها الأشرار

والتحزب متى ما نُزع من قلوبنا فسنكون إنسانيين

إنسانيين بالمعنى السامي

المتعالي عن الإنسان القديم

-

.هذه حكايتي حتى اللحظة

نِهايتها لازالت مفتوحة

و لن أكتبها بيدي سيكتُبها  غيري

-

 كل ما ذكرتُ هي فقط لحظات من حكايتي

حكاية لا يسعُها كتاب بثلاثين صفحة

إنما كتاب بثلاثين سنة 

نايف ناجي

حُرّر بتاريخ

20/10/2021

bottom of page