top of page
  • Writer's pictureنايف ناجي

الحلقة الثامنة عشر: عالمٌ في الخفاء - الجزء الأول




أنا نايف ناجي، وهذا بودكاست ذا بريني برين.

أهلا بكم جميعا، اليوم سنتناول أحد كتب عالم الأعصاب المشهور راماشاندرن وهو أستاذ متميز في قسم علم النفس لجامعة سان فرنسيسكو، حيث يعمل هناك بمنصب مدير مركز الدماغ والإدراك، وكعادته فهو مُبهر في طرحه للظواهر الجديدة التي يكتشفها، وقد نجح نجاحا عظيما في إخراجها من حيّز الجامعات إلى الجمهور. ومن الأشياء المثيرة حول تجاربه وأبحاثه، هو أنه استطاع أن يثبت للعالم أنه ليس من الضروري أن يتلازم البحث العلمي الجاد مع أدوات معقدة وباهضه الثمن، بل على العكس، نستطيع إيجاد نتائج مهمه، بمجرد فحص مرضى الأعصاب، ومن الضروري أن يصاحب ذلك اهتمام شديد وملاحظة حادة.

فالمثال الشهير هو مريض اتش ام والذي سبق وان تحدثت عنه في حلقات سابقه، فهو قد خضع لعملية اُزيلت منه منطقتي الهيبوكامبس، ليُلاحظ الأطباء عجزه عن تكوين ذاكرة جديدة، وبذلك عرفنا أن منطقة الهيبوكامبس مهمه في إنشاء ذاكرة جديدة، وهكذا هو الحال، ف دراسة الحالة أي ان ندرس المريض بتفاصيله الدقيقة، قد تكون أهم من التجارب التي نجمع فيها الالاف المتطوعين والمرضى، فدراسة الحالة مهمه جداً وخصوصا في الحالات العصبية النادرة.

عموما، كتاب اليوم بعنوان أشباح في الدماغ Phantoms in the Brain

متواجد في المكتبات باللغة العربية.

فهيا بنا لنكتشف تجارب راماتشاندران ونستمع بعلم الأعصاب


موسيقى

يبدأ الكاتب بنظرة عامة عن الدماغ ومما يتكون، ثم يطرح فكرتين رئيسيتين ومتناقضتين عن كيف يتخيل العلماء الدماغ، فالحزب الأول يميلون لرأي أن الدماغ به وحدات نمطية، أي أن أجزاء مختلفة من الدماغ متخصصة بدرجة كبيرة في القدرات العقلية، فهناك وحدة نمطية للغة وأخرى للذاكرة ووحدة للتعرف على الوجوه وهكذا.

بينما ينظر الحزب الآخر للدماغ نظرة شمولية، فيقولون أن الدماغ يعمل ككل وأن أي جزء جيد مثل أي جزء آخر، ويذكرون أنه يمكن تجنيد قشر للقيام بمهام متعددة.

ورأي راماتشاندران هو في الحقيقة أن المنظورين لا يتناقضان، بل إن الدماغ عبارة عن بنية مرنة متحركة تستخدم النسقين كليهما في تفاعل معقد بشكل رائع.. أي أن هناك نعم وحدات نمطية، ولكنها في نفس الوقت قد يتم تجنيدها إن لزم الأمر.

وفي حقيقة الأمر، هل حقاً يهم كثيراً أين يحدث الشيء أم أن سؤال ال كيف هو أهم، ويعني أن اللغز الغامض في الدماغ ليس فقط أن نعرف (أين) مكان الوظيفة الفلانية، بقدر أن نفهم حقيقة (كيف) تتفاعل الوحدات النمطية مع بعضها، لتوليد مجموعة كاملة من القدرات التي نسميها في اخر المطاف بالطبيعة البشرية.




وسوف أذكر الآن كيف استنتج المؤلف ازدواجية عمل الدماغ.

قبل أكثر من 50 عاما دخلت امرأة إلى عيادة دكتور يدعى كورت، وهو عالم أعصاب شهير، وكان لدى هذه المرأة شكوى غريبه، وهي أنها أحيانا كانت يدها اليسرى تطير إلى رقبتها وتحاول خنقها، فتضطر إلى استخدام يدها اليمنى لتُصارع اليد اليسرى ورّدها عن فعل الانتحار.

طبعا الأطباء قبل أن تُراجع عالم الأعصاب كورت ذكروا لها ولأهلها أنها تُعاني من اضطراب ذهاني أو هستيريا.

وفي الحقيقة اتضح أن لديها سكتة دماغية حدثت فيما يسمى بالجسم الثفني أو الكوربس كولوسم، وهو كالجسر الذي يربط بين الفص الأيمن من الدماغ والفص الأيسر، وهذه الجلطة في الجسم الثفني جعلت التواصل بين الفصين منقطع، وعمليا أصبح لديها دماغين وليس دماغ واحد.

الفص الأيمن لدى هذه السيدة يعاني من بعض الميول الانتحارية، وبالمقابل الفص الأيسر يحاول كبح هذه الميول، طبعا قبل أن تحدث الجلطة، كان الفص الأيسر يثبّط الفص الأيمن ومحاولته الانتحارية، ولكن بعد أن حدثت السكتة، انفصل الفص الأيمن والذي يتحكم باليد اليسرى ويحاول أن يخنقها، والفص الأيسر مُمثلا باليد اليمنى يمنع ذلك.

بعد وفاة المرأة تم التأكد تشريحيا أنه فعلا عانت من جلطة في الجسم الثفني.


يتحدث راماتشاندرن عن تفصيله رائعة توضح أن بعض الأفعال التي نقوم بها قد تتم معالجتها بطريقتين مختلفتين، وضرب مثال بالابتسامة.

فالقاعدة تقول أن الابتسامة هي ناتجه عن العقد القاعدية البيزل قانقليا، فحين تصادف وجها ودودا تصل الرسالة العصبية إلى الجهاز الحوفي، ثم تنتقل إلى العقد القاعدية وهي بدورها تنظم عضلات الوجه اللازمة لصُنع ابتسامة عفوية. ولكن ماذا يحدث لو وَجّهت الكاميرا الآن إليك ثم أمرتك أن تبتسم من اجل الصورة؟ ما لذي يحدث؟ ولماذا لا تكون الابتسامة عفوية؟

يقول المؤلف: أنه في هذه الحالة، الأمر بالابتسام تتلاقه المراكز العليا في التفكير، بما في ذلك القشرة السمعية ومراكز اللغة، ثم تنتقل الإشارة إلى القشرة الحركية في مقدمة الدماغ، وبالتالي تحاول إنتاج ابتسامة عفوية ولكنها غالبا ما تفشل، لأن الابتسامة رغم بساطتها إلا أنها تحتاج لتناسق دقيق بين عشرات العضلات في الوجه.

طبعا الأغرب في الموضوع أنك لو قابلت مريض أُصيب بجلطة في القشرة الحركية اليمنى، أي التي تصدر الأوامر الحركية للشق الايسر، (اعتقد أنكم الان أًصبحتم في مرحلة لا يجب فيها أن أُوضح أن الجزء الأيمن من الدماغ يتحكم بالشق الايسر من الجسم) عموما لو أمرنا مريض أُصيب بجلطة في القشرة الحركية اليمنى بالابتسام ما لذي سيحدث؟ في الغالب سيبتسم نصف ابتسامة، والسبب أن عضلات الوجه تأثرت بتأثر الفص نفسه وانشلّت، وقد يكون بعضكم قد شاهد ما لذي يحدث في اغلب الجلطات، وهي أن المريض يبتسم ولكن تكون نصف ابتسامة، وعندما يريد شُرب الماء فإنه يسيل من زاوية فمه.

تخيّل الآن معي أن هذا المريض المصاب بنصف ابتسامه، رأى صديقاً مقربا إلى قلبه يدخل من الباب، هل ستكون ابتسامته نصف ابتسامه أم ستكون عفوية وكاملة؟

في الحقيقة أنه سيبتسم وكأن شيئا لم يكن، عكس المتوقع، والسبب في ذلك أن العقد القاعدية لم تتأُثر بالسكتة الدماغية، ومسار الابتسامة العصبي مختلف عن ذلك الذي يأمر فيه الطبيب المريض أن يبتسم.


موسيقى


سنبدأ الآن في الحديث عن بعض معالم العالم الخفي، والذي يحدث داخل الدماغ، و سنتعرف على الزومبي، والكثير من المتلازمات العصبية الغريبة والنادرة.


فَقد المريض توم ذراعه على مستوى الكوع مباشرة، في حادث سيارة، وذكر أنه وبعد عدة أسابيع بدأ يشعر بوجود ذراعه التي فقدها، فيقول: أنه بإمكانه هز كل أصبع وأن يمد يده كلما رن التلفون.

بالإضافة إلى الشعور بيده المفقودة، عانى أيضاً من ألم شديد في الأصابع الغير موجودة أصلا، هذا الألم غير قابل للعلاج، والسؤال هنا قبل كل شيء، ماذا يقصد أنه يحس بذراعه المفقودة؟ وكيف يتكوّن هذا الألم الذي يحاول وصفه؟

في علم الأعصاب، هذه الحالة تُسمى (بالأطراف الشبحية) وهي تشكل معضلة إكليلية خطيرة، وعلاج الألآم التي يشعره بها من فقد طرف من جسمه فضيعه ويصعب علاجها.

هذه الظاهرة (الشعور بطرف مبتور) أو كما تُسمى بالطرف الشبحي رصدها الكثير من الأطباء، وأول من صاغ هذا الاسم (الطرف الشبحي) هو الدكتور سلاس وير ميتشيل.

ويُذكر في الكتاب أيضاً حالات غريبة مثل وجود مريض مصاب بالتهاب في الزائدة الدودية تحوّل هذا الالتهاب من التهاب عضوي إلى التهاب شَبحي، فهو حتى بعد استئصال الزائدة، لم يهدأ المغص لديه وكثيرا ما رفض المريض تصديق أنه تم إزالتها.

من أين كيف تتكون هذه الأطراف الشبحية؟

في الدماغ يوجد لدينا خريطة لتمثيل الجسم كامل تُسمى بـ Homunculus أو أُنيسان، فبالرغم من بتر اليد أو الرجل، يظل هذا التمثيل في الدماغ. وبما أن هناك مساحة تمثيل لم يعد لديها عضو يُحفزها باستمرار، فالخلايا العصبية المجاورة تغزوها وتستحلها.

أي بمعنى آخر أن التمثيل في الدماغ يحتاج دائما إلى تغذية استرجاعيه بشكل مستمر لتوضح أين مكان العضو وهل لازال يعمل وغير ذلك، وإذا غابت هذه التغذية (بسبب البتر مثلا) تبدأ المناطق المجاورة بالاستيلاء على هذا التمثيل.

فمثلا منطقة التمثيل القريبة من اليد هي الوجه، فلو لمست وجه شخص بُترت يده ستجد أنه يشعر بيده المفقودة، أي أن منطقة الوجه المجاورة لليد في التمثيل الدماغي أخذت مساحة اليد وأصبحت جزءا منها.

نعود إلى صديقنا توم والذي فقد يده اليسرى في حادث.

عندما فحصه راماتشاندرن، أخذ مسحة من القطن صغيره وأمر توم أن يُقفل عينيه، ثم بدأ يلمس أجزاء مختلفة من سطح جسمه، وطلب من توم أن يخبره أين المكان الذي يمسحه، فمسح خده وقال أين لمستك؟

رد عليه توم: أنت تلمس خدي

سأله هل من شيء آخر؟

ضحك توم وقال: أنت تعرف أنه أمر مضحك، أنت تلمس إبهامي المفقود، إبهامي الشبحي!

تابع الدكتور إلى أن انتهى من رسم خريطة ليد توم في وجهه!

لم يكتف بذلك، بل حتى أنه وجد خريطة أخرى ليد توم جهة الكتف، لأن الكتف أيضا قريب من اليد اليسرى المفقودة في التمثيل الدماغي.

طيب، ماذا عن الآلام المصاحبة للأطراف الشبحية؟

التفسير الطبي الأكثر شيوعا، هو أن الأعصاب التي كانت تزوّد اليد ذات يوم، تبدأ في تغذية الجذع المبتور بالأعصاب، بالإضافة إلى ذلك تشكل هذه النهايات العصبية المهترئة مجموعات صغيره من أنسجة فيها ندوب تُسمى بالأورام العصبية، ويمكن أن تكون مؤلمه جدا.

طبعا هذه الآلام تظهر بسبب أن توم مثلاً عندما يبتسم أو يحرك وجهه وشفتيه، تتنشط النبضات العصبية الموجودة في التمثيل الدماغي، وبالتالي يحفز الأورام العصبية ويشعر بالألم.

دعونا نُعقد المسألة قليلا، ماذا عن المولدين بدون ذراع؟ هل سيكون لديهم طرف شبحي؟

في الحقيقة أن هناك حالة سُجلت عن فتاة تدعى ميرابل كانت تقول عن ذراعيها المفقودين، أنها تشعر دائما بأطرافها، فمنذ طفولتها، وهي تشير إلى الأشياء تماما مثل ذراعي الشخص الطبيعي، وتضيف بأنها ليستا طويلتين كما ينبغي، بل قصيرتين، وتشعر بذلك عندما تلبس ذراعيها التعويضيتين. ومن هنا يتضح شيء جديد وهي أنه لابد وأن للجينات دور، فهي قد شكلتها بشكل جزئي، وهذا دليل على أن الصورة الذهنية للجسم والأطراف قوية داخليّا منذ الولادة، حتى في مواجهة معلومات متناقضة عن الحواس.

وفي هذا السياق، يشعر الكثير ممن فقد ذراعه خلال حياته، أن يده الشبحية مشلولة، ويقول بعضهم: إنني أشعر وكأن ذراعي موضوعة في الاسمنت، وتفسير ذلك، أن أذرعتهم كانت قبل البتر معلّقة في حمالة أو موضوعة في جبيرة لبضع أشهر قبل البتر.


دعونا نعود الآن إلى سؤال، ما الذي يحدث في الدماغ لخلق هذه الصورة الذهنية التي لا تكاد تغادرنا حتى مع فقدنا للأطراف.

يجمع الفصان الجداريان المعلومات من مصادر عديدة، من العضلات والمفاصل والعينين، وكذلك مراكز القيادة الحركية، فحين تقرر تحريك يدك تنشأ سلسلة من الأحداث في الفصين الجبهيين، بعد ذلك تنتقل الإشارات العصبية إلى العضلات، وتبدأ حلقة التغذية الاسترجاعية في العمل.

في المقابل يتم إرسال إشارات من مغزل العضلات والمفاصل مرة أخرى إلى الدماغ عبر الحبل الشوكي، ليُخبر المخيخ والفصين الجبهيين أنه (نعم، تم تنفيذ الأمر بشكل صحيح).

إذا ببساطة لدينا مثل الدائرة العصبية والتغذية الراجعة ما الفص الجبهي كأمر حركي، والمخيخ والفصين الجداريين كتنبيه أن العملية فعلا تمت.

طيب هذا ما يحدث في الإنسان الطبيعي، ماذا عن الشخص ذو الطرف الشبحي، ما الذي يحدث بداخله؟

حين يقرر هذا الشخص تحريك ذراعه، فإن الإشارة كما ذكرنا تخرج من الفص الجبهي (والذي لا يدرك أن الذراع مفقودة)، ثم بعد ذلك تصل الأوامر إلى الطرف، وفي نفس الوقت يجمع الفص الجداري الأمر الحركي ليشعر المرء بأنها تحركت، ولكنها حركات شبحية، والغريب أن هذه الدائرة العصبية ناقصه، فلا يوجد إِشارات صاعدة من المفاصل ومغازل العضلات، وكذلك العينين، كتغذية راجعة، ومع هذا النقص إلا أن هذا لا يمنع من أن يُخدع المرء ويعتقد أن طرفه يتحرك!


نأت الآن إلى تجربة المرآه التي ابتكرها راماتشاندرن.

كما ذكرنا أن أغلب أصحاب الأذرع الشبحية يشعرون بأنها مشلولة، ولكن ما لذي سيحدث لو أوهمناهم أنها موجودة وتتحرك؟

ماذا لو استطعنا بحيلة أو أخرى أن نخفف عنهم الآلامهم؟

هل هذه الفكرة مطروحة؟


ذكرت في السابق أن العينين تدخل في التغذية الراجعة للدماغ، فالعين تشاهد أن العضو يتحرك فتُخبر لدماغ بذلك.

في تجربة المرآه، صنع الدكتور راماتشاندرن، صندوق وبه مرآه عمودية تقسم الصندوق نصفين، وأزال الغطاء من عليه.

يحتوي هذا الصندوق على فتحتين، يقوم الشخص بإدخال يده السليمة في فتحة، واليد الشبحية في فتحة أخرى (غالبا ما يكون هناك طرف صناعي وليست يد حقيقة لأنها قد بُترت)، بهذا الطريقة جعلنا اليد السليمة تنعكس على المرآه. يُطلب من الشخص رؤية انعكاس يده العادية في المرآه، فهو الان عمليا يرى يده السليمة على الطبيعة، وبالنظر إلى المرآه يرى انعكاس يده السليمة، وهكذا نكون عوّضنا اليد الشبحية بانعكاس اليد السليمة على المرآه. في هذا التجربة، نحن عملياً أرسلنا إشارة راجعة للدماغ عن طريق العين بدلا من المفاصل ومغازل العضلات (والتي لا وجود لها) ، فأصبحنا نقول للدماغ أنه يوجد يدين، انظر يوجد يدين (نقصد هنا اليد السليمة وانعكاسها)، فيتوقف عن طلب تغذية راجعة من المفاصل ومغازل العضلات.

طبعا، قد تقول لي أنني مُدرك لهذه حيلة، ولكن صدق أو لا تصدق، فالدماغ انطلت عليه هذه الحيلة، فتوقف عن إرسال إشاراتها العصبية المطالبة بتغذية راجعة، وبالتالي خفّ الألم.

لمن لم يستوعب التجربة جيدا سأضع في صندوق الوصف مقطع فيديو يُوضح التجربة.


طبعا الشخص الذي أُجريت عليه التجربة، كان يشعر بأن يده الشبحية مشلولة، وعندما وضع كلتا يده السليمة والأخرى الشبحية في الصندوق، وعندما حرّك يده السلمية ونظر إلى انعكاسها صاح (دكتور إنه أمر لا يصدق، دبّت الحياة في ذراعي الشبحية المشلولة)، الخبر السيء أنه بمجرد إقفال عينيه، تقف الحياة في يده ويشعر بأن يده الشبحية مشلولة.

ولكنّ الخبر السعيد هو أن الشخص بعد ممارسة تجربة المرآه والتدرب عليها، اتصل بالدكتور وقال: ذراعي الشبحية التي كانت معي لمدة عشر سنوات، لم يعد لها وجود، كل ما لدي هو أصابعي الشبحية تتدلى من كتفي، ليس ذلك فحسب، بل الألم المبرح الذي كنتُ أشعر به اختفى.

من الواضح أن هذه أول عملية بتر لطرف شبحي!




موسيقى

الزومبي في الدماغ، هذا هو عنوان الفصل الرابع.

لنفهم ما المقصود هنا دعونا نتعرف على دِيان، هي امرآه انتقلت مؤخراً إلى بيت جديد شمال إيطاليا للعمل كمترجمة، وعثرت هي وزوجها على شقة جيدة قريبة من وسط المدنية، كان طلاء البيت جديدا وأدوات المطبخ كذلك، ولا ننسى الحمام فقد تم تجديده أيضا. في أحد الصباحات استيقظت واشعلت غاز البروبان لتسخين الماء، فتراكم غاز أول أكسيد الكربون في الحمام الصغير، وكما هو معروف فإن هذا الغاز عديم الرائحة، استنشقته حتى أُغمي عليها، بقيت على هذه الحالة لمدة عشرين دقيقة، ولكن لحسن حظها كان زوجها عائداً لجلب شي شيئاً قد نسيه في المنزل، ليكتشف أنها غارقه بين الماء والغاز.

حين أفاقت من الغيبوبة، كانت قد أٌصيبت بالعمى تماما من تأثير الغاز.

هذه المريضة هي التي أُجريت عليها التجارب، وكانت النتائج غير متوقعه.

دِيان تستطيع التمييز بين الألوان والأنسجة، لكنّها لا تستطيع التعرف على أشكال الكائنات والوجوه.

في أحد التجارب عٌرض عليها خط مستقيم وسٌئلت هل هو خط رأسي أم أفقي أم مائل، أجابت: لا أعرف، ثم عُرض عليها فتحة رأسية لصندوق البريد، وطلبوا منها أن تصف هذه الفتحة، هل هي افقية أم مائلة، فأجبت بنفس الشيء لا أعرف.

عندما أُعطيت رسالة لتضعها في فتحة الصندوق قالت لن أستطيع، فاقترحوا عليها أن تُجرب حظها، حملت الرسالة وبمهارة تامة وضعتها في فتحة صندوق البريد، غريبه ما الذي حدث؟ هل قامت بهذا دون وعي منها؟

في الحقيقة، نعم فقد استطاعت بشكل سلسل ان تضع الرسالة في صندوق البريد، وهنا يظهر السؤال: ما لذي حدث داخل دماغها؟ هل هناك كائن لا واع يقيم بتنفيذ المهم أي أن زومبي يقطن في الدماغ قرر أن يكشف عن نفسه في هذه التجربة!

دعونا نأخذ جولة سريعة في فهم العمليات البصرية لنستطيع تفكيك هذا اللغز.

في البداية يوجد في الدماغ ما يقارب الثلاثين منطقة مهتمة بالرؤية.

فإحدى الخرائط مثلا معنية بالفرز والتحليل، حيث يتم فيها تجاهل المعلومات الزائدة وتأكيد بعض السمات كالحواف مثلا، ثم تنتقل هذه المعلومات إلى ما يقارب الثلاثين منطقة بصرية متميزة في الدماغ حيث تستقبل كل منها خريطة كاملة أو جزئية عن العالم المرئي، فهناك اللون، العمق، الحركة إلخ. فقد يكون مثلا الضرر في منطقة الحركة البصرية، لينتج ما يسمى بالعمى الحركي، أي أن هذا المريض إذا نظر إلى شخص يركض أو سيارة فإنه يراهم كتسلسل من اللقطات الثابتة تشبه الومضات، ويختفي الانطباع السلس بوجود حركة متصلة.


هناك مسارين مهمين يقسمهما المؤلف، الأول منها هو الأٌقدم حيث أنه يمتد من العين مباشرة إلى بنية تسمىsuperior colliculus في جذع الدماغ ويمتد هذا المسار أيضا إلى الفصين الجداريين.

هذا المسار معنيّ بالسلوك الموجه، أي أنك عندما ترى شيئا كبيرا يلوح لك في الأفق فإنه يهتم بمكان هذا الشيء، ليجعلك تدير جسدك ورأسك.

المسار الثاني، وهو يعتبر الأحدث وله مجموعة من الخلايا تسمى بال lateral geniculate nuclues تعمل كمحطة ترحيل، فهي تستقبل المعلومات البصرية ومن ثم تنقلها إلى الثلاثين منطقة التي ذكرناها.

إذا ببساطة، لدينا مسارين الأول منها الأقدم والثاني الأحدث، فالأقدم معني بالسلوك الذي يُعطي ردة فعل الانتباه، ولكن ماذا عن المسار الأحدث، ما لذي يحدث فيه؟

في الحقيقة يوجد للمسار الأحدث نوعين من المفاهيم، وهما مفهوم الـ(كيف) والآخر مفهوم الـ (ماذا).

مفهوم ال (كيف): نقصده به هو الرؤية لمسار الفعل، أي أنه يساعدك على مد يدك والقبض على شيء بأصابعك، أو مثلا يُجنبك الاصطدام بالأشياء من حولك. وينتهي مساره في الفص الجداري.

ومفهوم الـ(ماذا): باختصار هو تفسير معنى الشيء الذي تراه، فهل هذه كمثرى أم وردة؟ هل هذا وجه عدو أو صديق؟ وينتهي مساره عند الفص الصدغي.

نعود إلى صديقتنا دِيان، برأيك أي من المفهومين هذين تضرر عندها؟

هل مسار الـ(كيف) أم الـ(ماذا)؟

من خلال تجربة صندوق البريد، من الواضح أن الذي تضرر هو مسار الـ(ماذا) فهي لا ترى الشيء الذي أمامها ولا تفهمه، ولكن مسار الـ(كيف) لازال يعمل، والدليل أنك لو اعطيتها رسالة لتضعها في صندوق البريد، فهي لن تواجه أي مشكلة في فعل ذلك، حتى ولو لم تكن واعية بالكيفية، وهذا ما يُقصد به الزومبي، فهو يعمل في الخفاء والوعي ليس ضرورياً لإنهاء مهمته.


في متلازمة تسمى ب متلازمة بالينت، يحدث لهم عكس ما حدث لدِيان، فهؤلاء الأشخاص يكون الجزء المتضرر هما الفصين الجداريين، لذلك فهم يرون بشكل نفقي محدود، وتظل عيون المرضى تتركز على أي جسم صغير في مجال الرؤية، ويتجاهلون الأشياء الأخرى، فإذا مثلا طلبت منهم أن يشيرون إلى هدف صغير في مجال الرؤية، فسيُخطئون بهامش كبير، ولكن بمجرد أن تضع الهدف بين أيديهم، فسيتعرفون عليه، وهذا يعني أنهم يعرفون الشيء عن طريق مسارالـ(ماذا)، ولكن مسار الـ(كيف) لا يعمل هنا.

وأنا أقرأ هذا الكتاب، لاحظت أن ما يحدث معي بشكل شبه يومي يتم بأيدي الزومبي الذي يعمل في الخفاء في مسار الـ(كيف) فهو من يقود السيارة، ومن يطفئ المصابيح خلفي، ويقفل صنوبر الماء بعد ان اغسل يدي. ثم أعود لوعي أثناء خروجي من المنزل، فاسأل نفسي هل اطفأت مصابيح غرفتي؟

أعود إلى الغرفة لاكتشف أن الزومبي بداخلي قد أطفأها، ومع الوقت أًصبح بيني وبينه تصالح وهدنه!


طيب دعونا الان نتحدث عن الهلوسات والتخيلات البصرية.

عند بعض الناس المصابين بالعمى الكامل، لا يكونون هائمين في سواد معتم، بل على العكس فلديهم عالم مليء بالحياة، مليء بالهلوسات البصرية.

يذكر الكتاب رسام الكاريكاتير جيمس ثيربر، وهو قد أصابه العمى بشكل كامل عندما بلغ الثلاثين من عمره، في بداية الأمر أصاب عينه اليمنى سهم أدى إلى فقدها، بعد ذلك تلاها العين اليسرى بضعف شديد حتى اختفى الإبصار فيها تماماً. الغريب في أمره، أنه ومن المحتمل أن أحد أشهر رسماته الكاريكاتيرية والقصة التي تحولت إلى فلم، كانت نتيجة لهلوساته التي يراها، ففي فلم الحياة السرية لــ والتر ميتي، كان جيمس وكأنه يتحدث عن نفسه، فميتي – من تدور حولها القصة- تتنقّل بين رحلات من الخيال والواقع، كما لو أن الكاتب يعيد إحياء المأزق الغريب الذي يعيشه.

قد يكون جيمس مصاب بمتلازمة تدعى متلازمة تشارل بونيه، ومرضى هذه المتلازمة يعانون من تلف في مكان ما في مسارهم البصري، مما يجعلهم يصابون بعمى جزئي او كلي، بعد هذا التلف يبدأ لديهم الشعور بهلوسات بصرية تكون واضحة جدا، وكأنه تعويض للواقع المفقود في حياتهم.


طيب دعونا نتعمق أكثر في طريقة عمل الدماغ فيما يخص الرؤية.

في البداية يجب أن نفهم أن الجهاز البصري للإنسان يتمتع بقدرة هائلة على التخمين البارع، ويبني ذلك من خلال صور مجزأة ومتلاشية، وهنا بالذات تكون المفاجأة الكبيرة، فنحن عندما نقول تخمين، هذا يعني أننا لا ننقل الصورة كما هي من الواقع إلى الدماغ كالنسخ واللصق أو كالانعكاس البصري بالمعنى الحرفي.

لنأخذ مثالاً:

لو نظرت إلى أرنب خلف سياج من الأوتاد، فسوى تراه أرنبا كاملاً وليس قطعا مشرّحة، باعتبار أنه خلف سياج حوّله إلى قطع مربعه متفرقه، إذا ما لذي يجعلك تراه وتفهم أن ما أمامك هو أرنب حي وكامل، هنا يظهر مصطلح (الحشو)، أي أن الدماغ لديه ميزة أنه يملأ الثغرات ليصل إلى صوره يمكن تفسيرها.

أظن أننا الآن أمام منعطف خطير، فسيظهر الزومبي مرة أخرى ليملأ ما تبقى من الصورة، لنفهم في الأخير ما نشاهد بأعيننا.

هذا الحشو البصري يقودنا بالضرورة إلى البقعة العمياء في العين، فماهي البقعة العمياء أو المنطقة العمياء.

في العين توجد الشبكية، والشبكية تمثل الخلايا العصبية التي تتفاعل مع الضوء لإنتاج الصورة، العجيب في الموضوع، أنه وفي نقطة معينة يخرج العصب البصري من خلف العين ليوصل الإشارات العصبية إلى الدماغ، وبالتالي هناك منطقة في شبكية العين لا يوجد بها خلايا بصرية، ومن المنطقي أنه عندما نشاهد صورة ما، يكون بها نقطة فارغة لا يمكن الرؤية من خلالها بسبب العصب البصري احتلّ مكان الخلايا. ولكن هذا ليس الذي يحدث، فأنت عندما تنظر بعينك، ترى صورة كامله دون أي نقص، وهنا بالذات نفهم أن الدماغ حشى تلك المنطقة العمياء، وعوّض المعلومات البصرية في تلك النقطة.

النقطة العمياء تشريحياً أدركها العالم الفرنسي ادم ماريوت، وسنحاول الان القيام بتجربة بسيطة، لنحاول صيد هذه النقطة العمياء المختبئة خلف حماية الحشو.

تحتاج إلى ورقة باللون الرمادي الفاتح، ثم ضع نقطة باللون الأسود على يمين الورقة، وقرص دائري مظلل على اليسار. أصبح لدينا الآن نقطتين، واحده سوداء على يمينك، وقرص دائري مظلل على يسارك.


(واحتياطا سأضع في موقعي هذه الصورة لمن أراد أن يطبقها بحذافيرها)



الآن أغلق عينك اليمنى، وانظر إلى النقطة السوداء بالعين اليسرى.

أي أن العين اليسرى ستنظر إلى يمين الورقة حيث توجد النقطة السوداء، ويدك تغطي عينك اليمنى، ضع مسافة بينك وبين الورقة 50 سم، ثم ابدا تدريجيا بتحريك الورقة ببطء ذهابا وإيابا منك وإليك، ستلاحظ أنه في نقطة معينة يختفي القرص الذي على يسارك، بعد ان اختفى القرص، إسال نفسك هل لاحظت أنك لم تشاهد نقطة عمياء فارغه تماما؟ وأن ما شاهدته هو خلفية الرمادية باللون الفاتح، وهذا يعني أن الدماغ بطريقة تلقائية حشى الفراغ وبانت البقعة العمياء وكأنها جزء لا يتجزأ من الخلفية.


إذا فهمنا هذا المبدأ جيداً فسنستطيع أن نفهم أجزاء مهمه من الحلقة، مرة أخرى عندما يسقط القرص على النقطة العمياء، فإنك لن تشاهد فراغاً على شكل نقطة، بل ستشاهد خلفية طبيعية لنفس لون الخلفية التي حشاها الدماغ.


لنأخذ تجربة أخرى، بنفس الطريقة سيكون هناك ورقة رمادية اللون فاتحه، ويوجد بها نقطة سوداء على يمينك، وسنُغير شكل القرص ونجعله مربع، وسنرسم فوق هذا المربع خط مستقيم، ومن تحته خط مستقيم آخر، ليصبح الشكل خط عمودي مستقيم، في منتصفه مربع مظلل، وعلى يمينك ستكون النقطة السوداء.


قم بنفس الخطوات، اقفل عينك اليمنى، ثم ركز بعينك اليسرى على النقطة السوداء القابعة في اليمين، إبدا بتحريك الورقة ببطء نحوك ذهابا وإيابا.

عندما يقع المربع المظلل -منتصف الخط المستقيم-في المنطقة العمياء، فإن هذا المربع لن يختفي تماما، بل ستشعر وكأن الخطين الذين فوق وتحت المربع اتصلا ببعض، وأصبحا خط مستقيما واحد، وهذا يعني أن النقطة العمياء عندما سقط المربع داخلها، لم يرسم الدماغ خط مستقيم بعد ذلك فراغ ثم أكمل الخط، بل قام بإيصال الخطين ببعضهما، فأصبحا خط واحدا.. وهذا دليل واضح على أن الدماغ يحشو ما تبقى من الصور ولا ينتظر تدخلنا لنقوم بذلك!



طبعا في تجارب أكثر تعقيداً فشل الدماغ في حشو النقطة العمياء، والسبب أن الدماغ محدد في الأنماط التي يستطيع اكمالها، وهذا الحشو ليس مطلقاً، وفي ظني أن الحشو الذي يقدمه لنا الدماغ هو كافٍ لحياة طبيعية.





موسيقى



العالم ليس فقط أكثر غرابة مما نتخيل، إنه أكثر غرابة مما يمكن أن نتخيل.

هالدين.


استيقظت أم سام صباحا وخرجت من غرفتها على كرسيها المتحرك بعد ان تعرضت لسكتة دماغية قبل أسبوعين. لكنّ سام عندما رآها لم يصدق عينيه، فشعْر أمه على الجانب الأيسر كان غير ممشوطا، بينما تم تصفيف الجانب الأيمن من شعرها، كانت أيضا قد وضعت أحمر الشفاه على الجزء الأيمن فقط وتجاهلت الجزء الأيسر.

ما الذي حدث؟ فأمّه كانت دائماً تحب الأناقة، لكنّ هذه المرة بدت وكأن منشفة مبلله بالماء مسحت وجهها من الميك اب في الجهة اليسرى.

هذا بالضبط ما يسيمها الأطباء بالإهمال النصفي، هذه الحالة تكون عند من أصيب بسكته دماغية في النصف الأيمن من الدماغ، وخاصة في الفص الجداري.

وهؤلاء الناس لا يبالون تماما بما يحدث للأشياء والأحداث في الجانب الأيسر من العالم، بما في ذلك أجسادهم.

كانت أم سام إذا وقف ابنها على جانبها الأيسر تتجاهله، ولكن عندما يقفز صعودا وهبوطا، فقد تستدير تجاهه أحيانا وتنظر.

الفص الجداري عند الإنسان معني بالتمييز الفراغي للعالم الخارجي، والسماح لك بالتنقل في الفضاء، والوصول إلى الأشياء، وتجنب ما يؤذيك وأيضا معرفة المكان الذي توجد فيه.

ولهذا من يعاني من الإهمال النصفي، ستجده يصطدم بالأشياء في الجهة اليسرى من مجاله البصري.

طبعا يظل هناك سؤال قبل أن نكمل، لماذا فقط عندما يصاب الفص الجداري الأيمن وليس الأيسر؟

كما قد ذكرنا سابقا أن فصوص الدماغ حتى ولو تشابهت تشريحيا إلا أنها وظيفيا تختلف، فالفص الجداري الأيمن يهتم بالجوانب الشمولية للرؤية ويحتوي على (كشّاف) واسع يشمل مجالي الرؤية الأيمن والأيسر، بينما الفص الأيسر الجداري لديه (كشّاف) صغير يقتصر فقط على الجانب الأيمن. حين يتلف الفص الأيسر يعوّض عنه الفص الأيمن، ولكن عندما يتلف الفص الأيمن صاحب الكشّاف الكبير، هنا الفص الأيسر لا يستطيع أن يعوّض هذا الفقد، وهذا يشرح لنا لماذا عندما يتلف الفص الأيمن بالذات (صاحب الكشّاف) الكبير تظهر متلازمة الإهمال النصفي.

طيب هل نستطيع أن نساعد أصحاب هذه المتلازمة؟ وخصوصا من استمرت معهم هذه الأعرض؟

دعونا نعود إلى مرآة راماتشاندرن، ونرى هل إذا وضعنا مرآة على الجانب الأيمن لمريض الإهمال النصفي بزوايا قائمة هل سيُساعدهم ذلك في إدراك الجانب الأيسر المُهمل.

وَقف عالم المرآه راماتشاندرن على يمين المريضة إلين، حاملا في يديه مرآه، ثم طلب منها أن تدير وجهها ستين درجة وتنظر للمرآه.

طبعا الآن الجانب الأيسر المُهمل بدا واضحاً في المرآه وتراه.

وقف المُساعد في التجربة على جانب إلين الأيسر، وطلبوا منها أن تمد يدها وتأخذ القلم وتكتب اسمها على الدفتر، تذّكر أن المُساعد هذا يقف على الجانب اليسار (الجانب المُهمل)، وهي تستطيع رؤية هذا الجانب عن طريق المرآه.

دُهش الجميع عندما رفعت يدها اليمنى ودون أي تردد ذهبت مباشرة إلى المرآه وبدأت في الضرب عليها مرارا، حاولت مرة بعد أخرى ثم قالت: إنه ليس في متناول يدي!

يقول راماتشاندرن: تصرفت المريضة تجاه الانعكاس على المرآه وكأنه شيئاً حقيقياً، فيتعجب كيف لشخص بالغ وذكي تماما أن يرتكب هذا الخطأ الفادح وأن يُفكر ن شيئاً ما كان داخل المرآه فعلا!

ومن هنا اطلقوا على حالة إلين بعمه المرآه أو متلازمة عمه المرآه.

وجدوا بعد عدة تجارب على هؤلاء المرضى، أن الكثير منهم لديهم مثل هذا العمه.

طيب مالذي يُفسر ذلك؟

وضع المؤلف تفسيرين لذلك:

الأول: أن متلازمة عمه المرآه قد يكون ناتج عن الإهمال، بمعنى أن المريض يقول لنفسه: بما أن هناك انعكاس في المرآه، فيجب أن يكون الشيء هذا على يساري، لكنّ اليسار غير موجود في عالمي، وبالتالي لابد أن يكون الشيء داخل المرآه.

التفسير الثاني: أن هناك قدرة ذهنية متقدمة، فتحديد الشيء في المرآه يتطلب من الشخص وضع اعتبارا للانعكاسـ والشيء الذي ينتج الانعكاس، ثم يقوم الدماغ بأداء تدريبات ذهنية معينة، لتحديد موضع الشيء الذي نتج منه الانعكاس شكل صحيح، وهذه القدرة الذهنية قد تتضرر عندما يتلف الفص الجداري.


في نفس السياق هذا هناك مرضى من نوع آخر، يعانون من اضطراب يسمى عمه العاهة، ويحدث عندما يتلف الفص الأيمن من الدماغ.

تعالوا لنفهم ما لذي يحدث في هذا الاضطراب.

يعاني بعض الناس بعد الإصابة بسكتة دماغية من حالة إنكار، بأن يدهم اليسرى غير مشلولة، بالرغم من أن الطبيب والناس من حولهم يؤكدون لهم أن يدهم اليسار مشلولة.

لنضرب مثالا لذلك:

دَخل الطبيب على الآنسة دودز، وقد نُقلت إلى المستشفى بعد حدوث سكتة دماغية، أدت إلى حدوث شلل في جانبها الأيسر.

الطبيب: كيف حالك اليوم؟

تُجيب المريضة، بخير ولكن أعاني من صداع، فأنت تعرف أنهم نقلوني للمستشفى.

الطبيب: لماذا أتيتي إلى المستشفى؟

المريضة: لقد تعرضت لسكته دماغية

الطبيب: كيف علمتي بذلك؟

تجيبه: لقد سقطت في الحمام فجأة وأحضروني إلى هنا

الطبيب: كيف حال الان؟

المريضة: على ما يرام

الطبيب: هل تستطيعين المشي؟

ترد عليه: بالتأكيد (طبعا المريضة لم تكن صادقه فهي لمدة أسبوعين لم تخطو خطوة واحده)

يسألها الطبيب: هل تستطيعين أن تحركي يديك؟ هيا افتحيهما.

بدت المريضة منزعجه قالت: طبعا أستطيع أن استخدم يدي.

سألها هل كلتا يديك تعمل بنفس القوة؟

ردت عليه: نعم كلاهما تعملان بنفس القوة.

من الواضح أن هذه المريضة دودز، لديها مشكلة في تقبّل أنها مشلولة ولا تستطيع الحركة أو المشي.

هؤلاء المرضى يقومون بفبركة في الردّ، فأحدهم عندما أراد منه الطبيب تحريك ذراعه، رد عليه المريض قائلا: طلاب الطب يا دكتور، قد كانوا يحثونني ويدفعونني طوال اليوم ، وقد سئمت ولا أريد تحريك ذراعي) وكأنه يستطيع فعلا لكنه اختار أن لا يفعل.

مريضه أخرى ترد على الطبيب بعد أن أراد منها تحريك يدها اليسرى، فقالت: لدي التهاب مفصلي شديد في كتفي، وأنت تعرف ذلك ي دكتور، إنه مؤلم.

وها هي حالة أخرى تفرك لتهرب من حقيقة أنها مشلولة.

في حالات تبلغ أقصاها قد يقول لك المريض بأن هذه اليد المشلولة ليست أصلا يدي.

طبعا، لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكذب والتزوير، بذبك يجب علينا أن نحاول فهم ما لذي قادهم إلى هذه النتيجة.

وهنا يُقدم الكاتب نظريتين خلف الإنكار والفبركة:

فوجهة نظر فرويد تقول: أن المريض ببساطة لا يريد مواجهة الانزعاج نتيجة لشلله.

و وجهة النظر الثانية عصبية في طبيعتها: وهي ترى أن هذا الإنكار هو نتيجة مباشرة لمتلازمة الإهمال، أي عدم الاكتراث عموما بكل ما هو موجود على الجانب الأيسر، ويدخل في ذلك أيضا أنهم يميلون لعدم الاهتمام بمأزقهم، وقد يكونون حتى منتشين، لأن نصفهم الانفعالي أيضا يوجد في النصف الأيمن من الدماغ، وهم ببساطة لا يفهمون حجم خسارتهم.


في إطار الإنكار يتدخل أيضا الفص الأيسر من الدماغ، وأمامه خيارين لا ثالث لهما، إما أن ينكر هذا الشذوذ أو يشوهه ليُحفاظ على الاستقرار. بمعنى أن أهم نقطة هي التماسك والاستقرار للنظام العام في الدماغ، أي أن الدفاعات الناتجة التي ذكرناها كالإنكار، القمع أو الفبركة، هي الثمن الذي يدفعه دماغك لكي يحافظ على نفسه من عدم التشتت فيستقر.

هذا المثال مشابه بالضبط لجنرال يجلس في خيمته وعلى وشك أن يشن حرب على عدو، وقبل شن الحرب بدقائق تأتيه معلومة من فرد صغير في الجيش مهمه قد تغير مسار الاحداث، هنا الجنرال يجب عليه أن يأمر الفرد هذا أن يصمت ولا يخبر أحد (أن يُنكر) أو قد يطلق النار عليه ( يقمعه)، والغرض مما قام به الجنرال هو أن يمنع التذبذب والتردد، ومحاولة المحافظة على استقرار الوضع العام.

طيب ماذا لو أتى الفرد وقال للجنرال: أن العدو لديه أسلحة نووية، هنا بالذات سيكون الجنرال أحمق للغاية إذا التزم بخطته الأصلية، ويجب عليه أن يصوغ بسرعه خطة جديدة.

إذا ببساطة الفص الأيسر يعتمد على إنشاء نظام، أو نموذج للاعتقاد ويدمج فيها الخبرات الجديدة في نظام الاعتقاد، وإذا واجه أي معلومات جديدة يقمعها كما فعل الجنرال، فيُنكر أو يكبت.

في الجانب المقابل الفص الأيمن، كما يسميه الكاتب (محامي الشيطان) يلعب دور في التشكيك في الوضع الراهن، والبحث عن التناقضات الشاملة، فحين يكون هناك معلومات شاذة إلى مستوى معين، يفرض مراجعة كاملة للنموذج ويبدأ من الصفر، كما فعل الجنرال عندما قرر تغيير الخطة بعد معرفته أن العدو لديه أسلحة نووية.

طيب، ما لذي يحدث في متلازمة عمه العاهة بالضبط، نحن نعرف أن الفص الأيمن قد تلف، أي أن محامي الشيطان هنا لا يعمل، ويعني أن فكرة تغيير الخطة والبدء من الصفر غير موجوده، إذا من الذي سيُسيطر؟ بالتأكيد الفص الأيسر والذي يحاول أن يجعل كل شيء يبدو متماسكاً، لذلك على الفور يبدأ في استخدام دفاعاته النفسية، فإذا جدّ جديد أنكره، وقمعه بل وفبركه ولا يوجد أحد يستطيع أن يقف في طريقه، لأن منافسه الفص الأيمن الذي يشكك في كل شيء أصبح تالفاً..

وهذا ما حدث بالضبط للمريض الذي وصل به الأمر أن ينكر يده وقال إنها ليست يدي وأنكرها وهي ملتصقه بكتفه.


( موسيقى )

إنهما ليسا أبي وأمي، إنهما محتالان ويتظاهران أنهما والدي.

هكذا قالها آرثر دون رحمة لأمه وأبيه.

يا تُرى ما لذي جعله يؤمن بذلك؟

اتصل على عالم الاعصاب راماتشاندرن أبو آرثر وشرح له أن ابنه يعاني من هُذاء رهيب وقاسي، وأنه ابنه ذو الثلاثين عاما يعتقد بأنني لست والده وأنني دجّال، ويقول نفس الشيء لأمه.

قبل أن نحاول أن نفهم ما لذي حدث، يجب أن نبدأ القصة من البداية، آرثر تعرّض لحادث سيارة قاتل، فقد ارتطم رأسه بالزجاج الأمامي بقوة ساحقة، مما أدخله في غيبوبة لمدة 3 أسابيع، وكان قد شارف على الموت. بعد ان استفاق بدأ علاجا تأهيليا مكثفاً، وارتفعت آمال الجميع.

كل شيء تحسن فيه، إلا أنه لم يقتنع أن والديه هم حقاً والديه.

عندما قابله راماتشاندرن، سأله بعد استفتاح بسيط، من الذي أحضرك للمستشفى؟

رد عليه آرثر: ذلك الرجل في غرفة الانتظار، إنه السيد العجوز الذي كان يعتني بي.

قال له الدكتور: تقصد والدك؟

أجابه آرثر: لا لا يا دكتور، هذا الرجل ليس والدي، إنه يشبهه تماما. إنه محتال، على ما أظن، وأعتقد أنه لا يقصد أن يتسبب لي بأي ضرر.

سأله الدكتور: لما تعتقد أنه محتال؟ ما الذي يعطيك هذا الانطباع؟

نظر إليه المريض.. ولسان حاله يقول كيف لا يمكن للدكتور رؤية ما هو واضح، ثم تكلم، نعم إنه يشبه والدي تماما لكنه ليس هو، هو لطيف لكنه بالتأكيد ليس أبي.

سأله الدكتور: لماذا يتظاهر أنه والدك.

أجاب: ربما والدي الحقيقي وظّفه لرعايتي، مقابل المال.

الغريب في الموضوع، أنه عندما يكلّمه والداه عن طريق الجوّال فهو لا ينكر انهما والدها، وما إن يقابلهنا وجها لوجه تبدأ كل التهم موجهه لهم وأنهم محتالين.

في الحقيقة آرثر كان يعاني من كاقرا سيندروم، وهي من أندر المتلازمات، حيث أن المريض يبدو صافي الذهن وعقلانياً، إلا أن معارفه المقربين منه كالأب والأم والزوجة والأولاد، يبدون بالنسبة له محتالين وأنهم يكذبون عليه وليسوا الحقيقيين.

دعونا نفهم مالذي حدث ليصبح آثر بهذه الطريقة.

في الدماغ وفي الفصين الصدغيين هناك مناطق متخصصه للتعرف على الوجوه والأشياء، وهي تندرج تحت مسار الـ (ماذا) إن كنتم تتذكرون، وهذه المنطقة سليمة عند آرثر لأنه يعرف أن هذا ابوه. بعد أن يتعرف الفص الصدغي على الوجه، يرسل إشارته إلى الأمقديلا أو ما تسمى بلوزة الدماغ، فيحدث ردة فعل عاطفية كالحب أو الغضب. المشكلة عند آرثر هو أن الروابط العصبية مقطوعة بين الفص الصدغي واللوزة، وعلى ذلك هو لا يشعر بأي مشاعر تجاه أبوه، ومن هنا يصل دماغه إلى نتيجة أن هذا يشبه أبي لكنه ليس هو، والسبب أن مشاعر الحب لم تتحرك داخله.

كيف يمكننا أن نتأكد من ذلك؟

في الشخص الطبيعي لو تم توصيل جهاز الاستجابة الجلفانية للجلد، وهو جهاز يقيس شدة التعرق في اليد سوف نلاحظ التالي:

لو ركبت هذا الجهاز في راحة يديك، ثم جعلتك تشاهد أمك، فإن كمية من العرق البسيطة تخرج من يديك، وهذه حركة لا إرادية منبعها الدماغ بعد المرور بمنطقة التعرف على الوجوه، ثم إلى الجهاز الحوفي ثم إلى ما تحت المهاد إلى أن يُصدر الرد اللإرادي، وبالتالي تتعرق اليد قليلا.

ماذا عن آرثر؟

هل ستتعرق يديه وسيسجل الجهاز أي استجابة؟

في الحقيقة أنه عندما أًختبر سجلت إشارة متدنية للآرثر تحت الطبيعي وهذا يُوكد الفرضية أن هناك فعلا انفصال عصبي بين الفص الصدغي واللوزة.

ومن هنا نستطيع تفهم موقف آرثر، فهو لا يهلوس ولكن بسبب الضرر الناتج من الحادث جعله لا يعترف بحقيقة أبويه.


طيب، لننتقل الان إلى فقرة مختلفة تماما في الكتاب، وهي بعنوان الرب والجهاز الحوفي.

يتكلم الكاتب في هذا الفصل عن الخبرة الدينية، وأين من الممكن أن تكون في أدمغتنا.

مؤخرا تم اختراع جهاز يسمى بالمنبه المغناطيسي عبر الجمجمة أو transcranial magnetic stimulator وفكرة الجهاز أنه يقوم بإنتاج حقل مغناطيسي قوي ينشّط المنطقة التي تكون تحته.

جرّب عالم النفس الكندي مايكل بيرسنجر ووضع هذا الجهاز على أجزاء من الفصين الصدغيين في دماغه، وشعر ولأول مره في حياته بالرب.

يقول المؤلف لم تكن تلك التجربة مفاجئة، لأنه دائما ما كان يعتقد أن الفص الصدغي الأيسر بالذات متورط بالخبرة الدينية، ويوجد أمثلة عن مرضى عانوا من نوبات صرع في منطقة الصدغين، فتكونت لديهم خبرات روحية مكثفة أثناء النوبات، بل وأصبحوا منشغلين بالمشاكل الدينية والأخلاقية حتى في أثناء الفترات التي لا تحدث فيها النوبات.

يُحدثنا راماتشاندرن عن مرضى صرع الفص الصدغي ويقول: بأنهم قد يرون نوراً إلهي يضيء كل شيء، أو أن هناك حقيقة مطلقة تكمن بعيدا عن متناول العقول العادية، ومنغمسة في صخب الحياة اليومية بحيث تلاحظ الجمال والعظمة في كل شيء.

هذه التغيرات اسماها أطباء الاعصاب (شخصية الفص الصدغي) وهم مجملا يرفعون من قيمة الانفعالات ويرون أهمية كونية في أحداث تافهة.

السؤال هنا لماذا يتمتع مثل هؤلاء المرضى بمثل هذه الخبرات الدينية؟

هناك اربع احتمالات سنذكرها بشكل سريع:

الأول: أن الرب حقا يزور هؤلاء الناس

الثاني: أن هؤلاء المرضى يعانون من أنواع من مشاعرغريبة لا يمكن تفسيرها، وبالتالي يكون ملاذهم الوحيد هو البحث عن النور في المياه الهادئة للطمأنينة الدينية أو يسيئون تفسير هذا الخليط الانفعالي ويعتبرونه أنه رساله من عالم آخر.

التفسير الثالث: أن المناطق الحسيه في الدماغ التي ترى الأحداث وتسمع الأصوات والضوضاء، تكون أكثر ارتباطاً بالمراكز الانفعالية، فيكون أي حدث مهمها كان بسيط مشبّع بالأهمية .

التفسير الأخير: هو أنه ومن الممكن أن يكون البشر طوروا بالفعل دائرة عصبية متخصصة لغرض وحيد متعلق بالخبرة الدينية، وسيقودنا هذا بالضرورة إلى أسئلة مثل هل هناك جينات معينة أساسا للتدين والميول الروحية؟

دعونا نُلقي نظرة عن رأي علم الأعصاب التطوري، ونرى ما هو التفسير الحالي للدين أو الإيمان بالرب والقيم الروحانية. الرأي هنا أن من أحد الاحتمالات هو الميل الإنساني العالمي إلى شخصيات سلطوية، مما يؤدي إلى كهنوت منظم، والمشاركة في الطقوس والترنيم والرقص، والالتزام بالقواعد الأخلاقية، وهذا يشجع ويساهم في استقرار المجموعات الاجتماعية التي ينتمي إليها المرء، أي المجموعة التي يتشارك فيها أهلها بنفس الجينات، هذه الجينات تشجع في غرس صفات الالتزام التي قد تميل إلى الازدهار والتكاثر، وفي المقابل سوف يتم نبذ الأشخاص الذين يفتقرون إلي هذه الأخلاقيات ومعاقبتهم لأنهم يعتبرون منحرفين اجتماعيا، ولعل أسهل طريقة لضمان الاستقرار المجتمعي هو الإيمان ببعض القوى العليا المتعالية التي تتحكم في مصيرنا.


عموما سنقف عند هذا الجزء الأول، وسنُكمل الجزء الثاني في الحلقة القادمة، وعي تشمل مواضيع ليست بأقل أهمية ما ذكرنا، ومنها ماهي الكواليا أو (الإحساس الذاتي)، ومن هي المرأة التي ماتت من الضحك، وهل يرى سكان كوكب المريخ اللون الأحمر؟، وغيرها الكثير من المواضيع.

لا تنسوا الاشتراك في البودكاست، ونشره لمن تظنون أنه مهتم بعلم الأعصاب، كذلك وأطلب منكم كتابة تعليقات وتقييم البودكاست ليصل إلى أكبر قد من الناس.

إلى هنا انتهى... كان معكم نايف ناجي، أترككم بخير.

37 views0 comments

コメント


bottom of page