top of page
  • Writer's pictureنايف ناجي

الحلقة الحادي عشرة: من يقرر إذا ؟




في هذه الحلقة سنتناول مشكلة او معضلة شغلت بال الكثيرمن الفلاسفة والعلماء من مختلف التخصصات ومن ضمنهم علماء الاعصاب ٬ وهذه المشكلة هي : هل الإنسان مخير ومسؤول عن تصرفاته أم مسير ولا يُلام فيما يفعل ٬ بمعنى هل هو مجرد اله تُحركه عمليات معقدة داخل دماغه ٬ ام انه حر تمام ويختار الذي يريد كيفما شاء .

هذا الموضوع كان بمثابة النشاط الفكري لاي عالم او حتى شخص مهتم بالشأن المعرفي ٬ فها هو عالم الفيزياء اينشتاين يعتقد بان الإنسان مسير٫ ويحتج على ذلك : بأن العالم يمشي وفق ضوابط وقوانين فيزيائيه ثابتة لاتتغير ٬ ولإن ‏الإنسان ماهوالاجزء من هذا الكون ٬فهوبالضرورة يخضع للقوانين وفي نهاية المطاف انتهى ليقول : اننا مسيرون .

ويوافقه على ذلك سبينوزا وغيره من الفلاسفه والعلماء .


وفي هذه الحلقة سنحاول كما تعودنا ان نراجع كتاب واحد ٬ بشكل مجمل ودون الخوض في الكثير من التفاصيل ٬ ستكون مثل الاضاءات التي تساعد في فهم هذه المعضله او على الاغلب تحديد الطريقة التي يجب ان نتعامل معها.

رفيقنا لهذه الحلقة هو كتاب

whos in charge, free will and the science of the brain

ومعناه : من المسؤول؟ ٬ حرية الارادة وعلم الاعصاب ٬

لعالم الاعصاب ميشيل قازانيقا .


نحن البشر بشكل عام كما يذكر كاتب الكتاب ٬ نميل الى اجابة واحدة و واضحة ٬ اما نعم او لا ٬ اللون أن لم يكن اسود فهو بالضرورة ابيض ٬ اما اننا مسيرون بالمطلق او مخيرون بالمطلق.

وما سنتعلمه الان ان هناك اسئله من الممكن ان طريقة السؤال نفسه تحتاج تصحيح أو قد تحتاج الى لغة جديدة ، وطريقة تختلف عن المعتاد .

العلماء القدامى عندما تحدثوا عن التخيير والتسيير ٬ تحدثوا وفق معلوماتهم والاكتشافات العلميه في وقتهم ٬ ولكن في وقتنا الحالي اختلف الوضع ٬فالاكتشافات العلمية والدراسات الجديدة قدمت معلومات وحقائق لا يستهان بها ٬ لذلك يجب إعادة النظر وفتح ملف الاسئله والاجابة بوعي جديد ورؤية مغايرة .

حاول قازانيقا بشكل رائع عرض مستجدات الاكتشافات العلمية ٬ ليس فقط في علم الاعصاب ٬ بل وامتد اطلاعه على علم النفس ٬ علم الاجتماع ٬ الفيزياء وغيرها ٬ محاولا شد الانتباه للتفكير في السؤال بعين الانسان الذي يعيش هذا القرن .


ثم بعد ذلك يقترح ظاهرة ( الانبثاق ) emergent وان فهمها سيغير تعاملنا مع المشكلة ، فقد مثلا لا يكفي النظر للدماغ كوحدة معزولة عن غيره وانما يجب ان نلاحظ تفاعل الدماغ مع ادمغه أخرى .


ولكن ماهي ظاهرة الانبثاق ؟

هنا سنستدعي الفيزياء لتُفهمنا معنى هذا المصطلح .

عندما كتب نيوتن قوانين الفيزياء المعروفة والتي تُدرّس في كل مكان ٬ كان يُظن انها كل شيء ٫ حتى بدأ العلماء يتعاملون مع الذرة وعلوم الفيزياء الكميه ٬ ليدركون أن هذا العالم الصغير الذري لا يُلقي اهتماما لقوانين نيوتن ٬ وإن وجود قوانين جديدة مهم ٫ وعلى ذلك ظهرت الفيزياء الكمية ( ال كوانتم فيزيك ).


لم تقف الفيزياء عن مفاجآتنا عند هذا الحد ٬ حتى اتى اينشتاين ليتعامل مع المجرات الضخمه ٬ ثم تعلم منها ان التعامل معنا معشر المجرات مختلف ٫ ولذلك بدا في كتابة نظرياته والتي اختلفت عن فيزياء نيوتن .

اذا عمليا ٫ اصبح لدينا فيزياء للذرة ٬ فيزياء للاشياء من حولنا في حياتنا اليومية ٫ وفيزياء على مستوى المجرات ٬ وقوانين كل منهم يختلف عن الاخر .

هذا الانتقال من عالم الذرة الصغيره الى عالمنا ٬ هو ( الانبثاق ) الذي نقصده ٬ وهذا الانبثاق يأتي بظواهر وقوانين جديده ٫ وكأن مجموع الذرات عندما تصل الى حد معين ٬ ينثبق منها عالمنا.

ثم نرتقي ونلاحظ علاقة كوكبنا مع الكواكب الأخرى فتنبثق منها ظاهرة جديده بقوانين جديده.


دعونا ناخذ مثال اخر لفهم ظاهرة الانبثاق جيدا.

سؤال:

هل تستطيع ان تفهم طريقة عمل جناح الطائر من خلال فهم تفاصيل الريش وحده ؟

الإجابة : لا ٬ ولكن عند تجميع معلومات متخلفة عن الطائر من الريشه حتى الهيكل وحركة الجسم ٬ كل هذه المعلومات المتنوعه سنضعها مع بعض لنصل الى طريقه عمل الجناحين ٫ اذا طريقة عمل جناح الطائر هي في الواقع ظاهرة ( انبثاق ) تكونت من فهم أجزاء مختلفة في الجسم.

لنعد الان الى علم الاعصاب.

يقول قازانيقا : لو درسنا كل خليه عصيبه على حده ٬ فبهذا الاسلوب يجب ان نضع في الحسبان انه ليس من الضروري ان نجيب على اذا ما كنا مسيرين ام مخيرين ٬ لانه يرى أن السؤال لا يتناسب مع المستوى الذي نتعامل معه .

إذا في البداية يجب ان نفهم أي مستوى يجب ان نطرح فيه سؤال التخيير والتسيير .

هل على مستوى الخليه ؟

ام الفصوص الدماغيه والتي تعتبر انثباق من عدة خلايا؟

اما على مستوى الدماغ ككل ؟

ام على مستوى علاقة الدماغ مع ادمغه أخرى؟


بعد هذه المقدمة البسيطة الان نستطيع ان ننطلق لنتعرف على ما هو الجديد في العلوم ؟

وماذا تقول الأبحاث عن كيف يعمل دماغنا ؟

ومن ثم ستتكون لنا نتيجة نهائية قد تكون إلى حد ما مرضية.

فلنبدأ !!


( موسيقى )


من الأشياء التي غيرت الطريقة التي ننظر للدماغ من خلالها هو الجينات٬ والسبب انها هي من ترسم التركيبة الأولية للدماغ ٬ فالإنسان مثلا ليس حرا في تعلم الأشياء التي يريدها٫ والسبب في ذلك هو وجود محددات جينيه ٫ هذا المحددات تضع حدودا لقدراتنا .

مثال على ذلك : اغلب البشر لديهم انحياز جيني للخوف من الثعابين ٬ بسببه تعلّم الخوف من الثعابين يتكون بسرعة كبيرة.

وفي المقابل هناك انحياز اخر يجعل من الصعب علي او عليك الخوف من الورد .

هل يوجد من المستمعين من يخاف من الورد ؟

امممم سأجيب بالنيابة عنكم : لا

ولكن هل يوجد من يخاف من الثعبان ؟

اممم جميعنا ؟ او لنقل اغلبنا ؟

والسر في ذلك هو وجود قوالب في ادمغتنا تحدد صفات الحيوانات الضارة مثل الزحف على الرمال فبمجرد سماع او رؤية ذلك نحاول الهروب كردة فعل دون تفكير.


تجربة أخرى تؤكد على أن الجينات هي القوالب التي تحدد القدرات التي يستطيعها الكائن الحي منذ الولادة ٫ هذي التجربه قام بها عالم الاحياء بيتر مار لر ٬ وكانت تدرس الطيور المغردة.

هذه الطيور تصدر أصواتاً ، تختلف باختلاف المنطقه التي تعيش فيها ٬ وكانهم مثل البشر كل منطقه جغرافيه تتميز بلهجهتها.


تساءل بيتر : ماذا لو اخذ طيور مباشرة بعد ولادتها من منطقة جغرافيه معينه ٫ ووضعها في منطقه أخرى ٫ هل هذه الطيور ستغرد بالأسلوب الجديده وتتعلم ذلك؟

بعد نقلها بعدة أيام استطاعت ان تتعلم الطيورالمغردة المنقوله أسلوب التغريد الجديد ٫ولم تواجه ادنى مشكله.

طيب ٬ ماذا لو عقّدنا المسأله وحاولنا جعل صغار الطيور المغردة تتعلم من جنس اخر مثل العصافير الدورية (والعصافير الدورية هي العصافير العادية التي نراها بشكل دائم في الشوارع والمدن) صغيرة الحجم ولونها بني .

قام بنفس الاجراء ٬ اخذ طيور مغردة حين ولادتها و وضعها مع العصافير الدورية .

هل تعتقدون انها استطاعت ان تحاكي العصافير الدوريه وتغرد بطريقتها ؟

إن كان حدسك جاوب بلا ٫ فحدسك في مكانه ٬ للأسف لم تستطع العصافير المغردة ان تتعلم صوت اخر يختلف عن جنسها .

طيب ماهي الخلاصه هنا ؟

الخلاصه هو ان الادمغه يوجد فيها قوالب عصبيه منذ الولادة تكون محدده لوظيفه او مهمه معينه ٬ وتحتاج فقط لتتعرض للبيئة او للتعلم لتظهر بشكل واضح ٫ كما وانه لا يمكننا ان نتعلم أي شيء كيفما كان .


لننتقل الان إلى عالم الأطفال والتجارب التي تمت وترتبط بالدماغ.

تجارب علمية اثبتت ان الأطفال الصغار يعرفون الفيزياء والاحياء وكذلك علم النفس دون تعلّمها .

ابحاث من جامعتي إلينوي وهارفاد درستا كيف يفهم الأطفال الفيزياء.


من الطبيعي انك لو شاهدت كوب القهوة الخاص بك يطير الى السقف ان تشاهد ذلك بدهشه دون ان ترمش عينيك لثانيه ٬ ماذا لو فعلنا ذلك امام طفل ولاحظنا ردت فعله .

عندما قام العلماء برفع كوب من القهوة بشكل مفاجئ الى السقف ٫ اندهش الطفل نفس اندهاش الشخص العاقل وهذا دليل على ان ابجديات المنطق توجد لدى الأطفال.


تجربة آخرى أقيمت على طفل عمره ٣ اشهر ونصف.

في هذه المره قاموا بوضع كره امام الطفل ٫ بعد ذلك تم اسدال ستار يُخفي الكره خلفه ٬ ثم قاموا بسحب الكره دون ان ينتبه الطفل من الخلف ، ثم ورفعوا الستاره ليُصدم الطفل من اختفاء الكره الغير منطقي، ويدل على ان الطفل لم يستسغ اختفاء الكرة الغير مبرر.


هناك تجارب أخرى ايضاً برهنت على ان الطفل لديه المفاهيم الاساسيه لفهم الكون من حوله ٬ فلو مثلا مررت شكل دائري خلف حاجز ثم ظهر مره أخرى من الطرف الاخر ٫ فانه ليس من المنطق ان يتغير ( خلال هذا العبور ) ليصبح مثلا دب صغير ٫ والأطفال تفاجأو عند عرض مثل هذه النماذج عليهم .


والفائدة من هذه التجارب جميعها اننا نولد ولدينا منطق و فهم لأشياء كثيره ٫ مزروعه في ادمغتنا من قبل حتى ان نتعلمها من البيئه او من الفيزياء او من المدرسه، وهذه الخصائص تدل على ان الجينات وتركيبة الدماغ منذ الولادة لا تدع مجال في الاختيار ٬ فكما ذكرت سابقا اننا لا نكره الورد في حين اننا نكره الثعبان من اول لقاء .


(فاصل)


بعد ان تحدثنا بشكل سريع وفهمنا ان ادمغتنا ليست صفحة بيضاء وانما هناك محددات جنية موجودة وتتشكل منذ الولادة ، ثم رأينا أمثله على ان الأطفال لديهم نوع من المنطق عندما يحدث عكس ما يتوقعون يندهشون ٫ سنبدأ الان نتعرف على كيف يصنع الدماغ الأسباب ومن هو المُترجم او الانتيربريتور.


عالم الاعصاب وكاتب الكتاب ميشيل قازانيقا ٬ له أبحاث متخصصه في موضوع الدماغ المفصول او الدماغ المقسوم.

( split brain )

وتجاربه عليه تشرح أشياء لم تخطر على البال.

في البدايه ماهو الدماغ المقسوم ؟

سبق وان تحدثت في قناتي علـي اليوتيوب عن هذا الموضوع وشرحته بالصوت والصورة ٬ ان لم تفهم جيدا في هذه الحلقة عاود وانظر للشرح على قناة اليوتيوب ٫ عنوان المقطع ( الأنسان صاحب الدماغين في رآسه ).


دماغ الانسان يشبه الكره ٬ ومقسوم الى فص ايمن وفص ايسر ٬ وبين هذان الفصين الرئيسين يوجد الجسم الثفني او الكوربوس كولوسم ٬ وهذا الجسم يشبه الجسر ٫ بحيث يربط بين الفص الأيمن والايسر لتتشارك المعلومات فيما بينهما

الكوربوس كولوسم هذا او الجسر يتم قطعه في بعض الاحيان٫ لسبب علاجي ٬ فمرضى الصرع والذين لم تعد الادوية الطبيه تنفع لحالتهم المزمنه ٬ يقررالأطباء قطع الكوربس كولوسم.

عند قطع الكوربس كولوسوم ( الجسر ) ٫ الاشاره الكهربائيه التي ينتجها الصرع لا تنتقل من فص الى فص وكأنك تمنع انتقال الاشاره بين الفصين ( الأيمن والايسر ) ٫مما يخفف نوبات الصرع ويقلل من حدتها.


قازانقيا ابحاثه كانت على هؤلاء المرضى والذين فصهم الايسر يعمل بشكل منفصل عن الفص الأيمن.

حدد هذا النوع من المرضى لانه عملياً سيتمكن من فهم عمل كل فص بطريقه معزولة عن الاخر .


معلومة مهمه يجب ان لا ننساها وهي : أن الفص الأيمن والايسر متشابهان تشريحيا فقط ٫ ولكن وظيفياً يختلفان ٫ فكل فص يهتم بجانب من الأشياء حتى ان وعي الفص الايسر يختلف عن الأيمن ٬ وقد يمتد هذا الاختلاف الى ان ينتهي بالشخص ان يختار مثلا وظيفتين مختلفتين ٫ كل وظيفة يحددها

وبشكل مجمل يهمنا وظيفتين في هذه التجربه وهي : أن الفص الايسر هو الفص المسؤول عن اللغة ( لوجود منطقتي بوركا وفيرنك )

في حين أن الفص الأيمن لا يتحدث ( ومتميز في الرسم وادراك الصور ) .

وانطلاقا من هذا سناخذ اول مثال :

لو جعلنا الشخص صاحب الدماغ المقسوم يشاهد نقطه في المنتصف ٬ ثم وضعنا كلمة احمر في المجال البصري الأيمن ٫ فإن كل ما نريده هو استهداف الفص الايسر ٫ ولكن قبل ان نكمل هذه التجربة ، ماذا نقصد بالمجال البصري الأيمن ؟.


كل عين لدى الانسان عمليا مقسومه الى نصفين أي ان العين الواحده لها نصف اقرب للاذن ٫ ونصف يسار اقرب للانف ).

في العين اليمين مثلا : النصف القريب من الانف ياخد معلوماته من المجال البصري الأيمن ( على يمين النقطه ) والجزء الأقرب للاذن يأخذ معلوماته من المجال البصري الايسر ( على يسار النقطه )

ويحدث العكس في العين اليسرى .

عموما لا اريد ان نضيع في تفاصيل لا تهم كثيرا ٬ الفكرة العامة هي أن هناك تقاطع في الصورة تسجلها العين الواحده حتى تصل للفصوص .

وللتبسيط ساتكلم عن الفص الأيمن والفص الايسر هكذا اسهل وسأتجاهل العين واقسامها .


طيب في هذه التجربة ٫ حاول العلماء ان يجعلون الفص الايسر يشاهد شيء معين ٫ ومن ثم يعرضون شيء مختلف على الفص الأيمن ( طبعا عمليا الفص الايسر لا يعرف ما الذي يدور في الفص الأيمن ) كاأن العلماء يريدون ملاحظت ردت فعل الشخص عندما يرى ان يده ( اليسار ) مثلا تقوم بشيء لا يدركه الفص الايسر٫ ثم ماذا سيقول الشخص عن سلوك يده التي لا يعرف لماذا فعلت ذلك.

معلومه أخرى مهمه ٬ وهي ان النصف الايسر من الجسم يتحكم به الفص الأيمن من الدماغ ٬ والنصف الأيمن من اجسامنا يتحكم فيه الفص الايسر ٫ يعني العكس .

الان اعتقد نحن جاهزون للتجربة والصدمة العلمية القادمه .


عرضوا في احد التجارب كملة ( احمر ) على الفص الايسر ٫ و وجهوا رسمة ( لموزة ) على الفص الأيمن .

اذا كلمة احمر للفص الايسر ٬ وموزة للفص الأيمن.


ثم بعد ذلك وضعوا أقلام بعدة الوان امام الشخص وجعلوه يختار اللون الذي يريد الرسم به ٫ ولكن بشرط ان يستعمل يده اليسرى للرسم ٬ يا ترى لماذا بالتحديد يده اليسرى ( لانها جزء من نصف الجسم الايسر والذي يتحكم فيه الفص الأيمن ٫ واليد اليسرى تعتبر هي المفتاح للفص الأيمن ٬ كما واننا أيضا نعرف انه وظيفيا مهارة الرسم والصور من تخصص الفص الايمن ).


عموما اختار الشخص ونطق قائلا : اختار اللون الأحمر ( هذا النطق او اللغة هي كما ذكرت ميزة للفص الايسر ٬ فهو من يتحدث ويعلل ويتخذ القرار ) .


بعد ان امسك اللون الأحمر بيده اليسار بدا يرسم ٫ ورسم موزه

والنتيجة كانت : موزه بلون أحمر !!

في أي عالم يوجد موزه لونها احمر.

انا شخصيا لا اعرف ولكن صاحب الرسمه سيقول لنا لماذا فعل ذلك .

سأله قازانيقا لماذا رسمت موزه باللون الأحمر ؟

فأجاب الشخص دون تردد : لان ذلك اسهل علي فحركت اليد اليسار تكون انسيابيه عند رسم الموز.

لاحظ معي انه لم يقل : لا اعرف ٬ لانها هي الاجابه الصحيحه ٫ والسبب انه لا يوجد تواصل بين الفصين ( فرسمه للموزة تم بالفص الايمن ٫ والفص الايسر ( المتحدث الرسمي للدماغ ) لا يعرف شيئاً عن الموز نهائياً ولم تصله لان الجسر بينهما مقطوع ٫ بالرغم من ذلك حاول ان يجيب كيفما كان الحال .


لذلك الشيء الجديد في هذه التجربة والذي لاحظه قازانيقا ٫ هو ان الفص الايسر ليس فقط مسؤول عن اللغة ٬ بل أيضا هو من يحاول ان يجيب ويعلل الأسباب حتى ولو لم تكن الإجابة منطقيه او دون معرفة مالذي يحدث في الفص الأيمن ٬ المهم ان يكون هناك اجابه ٫ لذلك سُمي الفص الايسر ب ال interpreter او المفسر .


لنرى مثال اخر لنتعرف سويا على هذا المفسر والذي يقطن في الدماغ ودائما ما يحاول ان يخلق الاسباب.

قام العلماء بعرض صورتين ٫ صورة لمخلب دجاجه وجهوها للفص الأيمن ٬ وصورة لمنظر فيه ثلوج وجهوه للفص اليسار ٫ طبعا كالعادة الفص اليمين ليست لديه ادنى فكرة عن ما تم عرضه على الفص اليسار والعكس صحيح.

بعد ذلك تم عرض مجموعة من الصور على الشخص ويجب عليه ان يؤشر على الصور التي تُطابق ما رآه.

أين تعتقدون ذهبت أصابعه ؟

يده اليسار اشارت تجاه مجرفه يدويه ( وهي اجابه منطقيه لمنظر الثلج فالمجرفه تستخدم لازاحة الثلج )

بينما يده اليمين اشارت تجاه صورة الدجاجه ( وهي ايضا اجابه منطقية لأن الدجاج لديه مخالب )

اذا لم يكن هناك اجابه واحده ٬ كل فص قرر بناءا على المدخلات التي استقبلها ٫ ولذلك كل يد اختارت ما يتناسب مع الفص المسؤول عنها.

بعد ذلك سآلوه لماذا اخترت هذه الصور ؟

نطق المفسر : الاجابه سهله فالمخلب يذهب مع الدجاجه ٬ ثم نظر الى يده اليسرى ليجد انها تشير الى المجرفه اليدويه ، فقال بدون تردد : ونحتاج المجراف لكي ننظف قفص الدجاج !

لاحظ معي انه عندما لاحظ ان اليد الأخرى تشير الى صورة لا يدركها ٫ لم يقول : لا اعرف ثم سكت ٫ ولكن هيهات فالمفسر لا يقف حائرا كان يجب عليه ان يصنع اجابه من العدم .

وما اريد ان آؤوكد عليه في هذه الفقره ان الانسان لديه جزء من دماغه دائما ما يحاول إيجاد إجابة لكل شيء يحدث أو أي سؤال يواجهه ٫ وبقدر ما تكون المدخلات التي يتلقاها الدماغ صحيحه ٬ بقدر ما تكون الاجابه صحيحه.


وخطر في بالي الانسان القديم والذي عندما تصادم مع الظواهر الطبيعيه من حوله ٫ كالزلالزل والبرق والرعد الخ ٫ سعى دائما ان يجد إجابة لما يحدث ٬ فكان لابد له من اقتراح إجابة او قصه يرويها اذا سٌئل ٬ فقال مثلا : ان هناك قوة خارقه هي السبب ٬ ليرتاح عقله ويمدد أرجله راضياً عن نفسه.


طريقة التعليل هذه تنطبق علينا نحن أيضا٬ فبقدر ما نتعلم٬ يكون المفسر اكثر دقة واكثر منطقية.

والسؤال الذي يجب طرحه هنا ٬ هل هذا المفسر نفسه هو من يُخبرنا بأن لدينا إرادة حرة ؟

بالرغم من وجود ملايين العمليات المعقدة والمختلفه والتي تحدث في ادمغتنا وفي اللاوعي بالتحديد ٫ ثم يقفز المفسر عندما تصل لوعيك ويقول لك ( انك انت ) من اخترت !

احتمال نفي ذلك صعب ٫ ونحتاج قبل ذلك أن نتساءل إذا ما كان هناك أصلا مركز في الدماغ يُدير كل شيء ٬ مركز ومدير عام يأمر وينهي ويخطط.


في البداية وبإجابة قصيرة ومفيدة وهي: انني انا وانت لسنا المتحكمين بادمغتنا.

اخبرني هل تستطيع ان تُوقف دماغك قبل ان تنام ؟

بالطبع لا ٬

او ما رأيك لو اقترحت عليك ان تُوقف سيل افكارك هل ستستطيع ؟

أوقف البودكاست الان وحاول الان ان لا تفكر في اي شيء.

هل نجحت ؟

اعتقد لا ٬ لذلك مبدئيا لسنا نحن المسيطيرين الرئيسين على أدمغتنا.


الدماغ يقوم بملايين الإجراءات المتوازية ٫ والتي تتم دون توقف ٬ وهذه الإجراءات تعمل على مدار الساعه ٬ فهي تحلل وتخطط وتنحاز وتفكر وتتعلم ٬ كل هذه الإجراءات تتم في اللاوعي ٫ والوعي في الغالب هو اخر المطاف ٫ ويعتبر بطيئ ومهامه محدوده ٬ فنحن لا نعي الا بشيء واحد في نفس اللحظة .

وعلى ذلك وبشكل صادم فإنه لا يوجد مركز للدماغ ، ويُعرّف الدماغ على انه نظام معقد.

ولكن ماذا نقصد بنظام معقد ؟

النظام المعقد : هو نظام يتكون من عدة انظمه تتفاعل مع بعضها لينبثق منها خصائص ٫ تُعتبر اكبر من مجموع محصلة الأجزاء٫ ولا يمكن باي حال ان يتم اختزال هذه الخصائص ).

اذا عندما نقول هذا نظام معقد ٬ فأن ذلك يقتضي وجود عدة أنظمة داخل هذا الكيان.

وساذكر الان مثال لنظام معقد نستخدمه بشكل يومي في حياتنا ٬ وهو الانترنت وما يحدث فيه من ترويج للإعلانات.

الإعلانات في الانترنت تتم بشكل لوغاريثمي معقد ٫ وهناك ثلاث جهات تمثل هذا النظام المعقد

أولاً : المُعلن ٫ ثانيا : المستخدم للانترنت ( انا وانت ) وثالثا: موقع قوقل نفسه.

في كل مره تفتح فيه صفحة قوقل وتكتب سؤالك في البحث ٬ يجيب قوقل ٫ ثم يحاول أيضا جذبك ليسحبك لجهة اعلان تتماثل مع بحثك ٫ وهذا التوجيه تتدخل فيه معلومات مثل: الكلمات المفتاحية ٬ الإعلانات المتاحه ٫ والمبلغ الذي سيدفعه المُعلن في حال انك ضغطت على إعلانه.

طبعا قوقل يحاول التحقق ان ما يظهر لك يكون بجودة عاليه وتناسب بحثك.

نقطة مهمه في هذا النظام المعقد وهو انه كلما زاد الضغط على اعلان معين٬ كلما زادت فرصة ان يُصنّف بشكل افضل وثقة أكبر ٬ لان ظهوره يعتمد على كمية المصداقيه في الإعلان وإرضاء المستخدم لمنع ظهور أشياء ليست في موضوع البحث.

الجميل في هذا التصميم ٬ انه يشتغل من تلقاء نفسه معتمدا على اللوغريثمات المزروعه بداخله ٬ فصحيح ان هناك ثلاث اطراف منفصه اللي هو انت والمُعلن وقوقل نفسه ٫ إلا أنه في الواقع كل شيء يكون مبرمج من تلقاء نفسه ولا يوجد مركز محدد لذلك .

وما اريد ايصاله هنا ان الدماغ بشكله المعقد ٫ مبرمج بشكل تلقائى تتم فيه ملايين العمليات ولكن دون وجود مركز يتحكم بكل شيء ٫ وهو يعتبر يعمل بتلقائيه وفقا لضوابط حُددت سابقا يعمل من خلالها.


ولكن مالذي يجعل الشخص في حيره ٫ هو انه بالرغم من كمية العمليات التي تتم بشكل مليوني ٫ الا اننا لازلنا نشعر ( بوحدة الجسم ) واننا نحن من يقرر ونحن من نختار ٬ من اين تأتي مثل هذه القوة ( الساحرة ) والتي تخبرنا في كل لحظه اننا من اخترنا ٬ في حين ان هناك لوغاريثمات وعمليات كبيرة لا تقف ولا تهدأ ٬ وكأنه بعد إنجاز هذه العمليات ترسل النتيجة النهائية إلى الوعي فيضع اللمسة الاخيره و يقول : أها انا من فعل .. وانا من اختار !

من اقترح فكرة ال ( الأها أنا من فعل وانا من اختار ؟ )

بلا شك صديقنا المُفسر.

فهو راوي القصة دائما ومقنع جداً عندما يتعلق الموضوع بالتعليل ٬ فكما نجح في إيجاد تفسير للموزة الحمراء ٬ فلن يكون لديه مشكلة في إعطاء ثقة ( الإرادة الحرة ) التي يخبرنا بها دائما.

فهو يقول : انت من يختار ولكن: هل حقا ذلك ما يحدث ؟



(فاصل)


كما شاهدنا وتعلمنا ان هناك ملايين العمليات تتم دون وعينا ٬ والمفسر او الانتربرتور لا يهدأ له بال حتى يروي لنا قصة حريتنا .


وأعجبني تساؤل طرحه قازانيقا يوضح جزء من شخصياتا فيقول :

هل حقاً نريد كل شيء من حولنا يتصرف بحرية تامه ؟

فلو ركبت سيارة أجرة فأنت تعرف أنه يجب على السائق ان يوصلك الى المكان الذي تريده

او عندما تُمسك كوب الماء فأنت لا تريد يدك ان تتصرف بأرادتها وانما تريدها ان ترفع كوب الماء حتى يصل لفمك.


ولكن ماذا لو أصبح الحديث على مستوى المجتمع ككل ٫ هل يجب ان نكون مسؤولون عن تصرفاتنا ؟

في البداية يجب أن ندرك أن (مفهوم المسؤؤلية في تصرفاتنا ) في الأصل لا يمكن تخيّله الإ بوجود المجتمعات .

فلو كنت تعيش وحيداً عن ماذا ستكون مسؤولا ؟

ثم يقول قازانيقا : انه من المهم أن يقتنع الناس أنهم مخيرون ومسؤولون عن تصرفاتهم ٫ ليس لأننا نريد ذلك بل إن التجارب أثبتت انه إن اقتنع الناس أنهم مسيرون ولا يد لهم في تصرفاتهم ٬ فالنتيجه ستكون غير مفيدة للمجتمع ككل ، فلو كل من أراد ان يقتل قتل ثم ردد : لستُ حراً ، دماغي هو من قرر وانا مجرد آله لا حول لها ولا قوة ٬ فسيستحيل العيش بهذه الفكرة.

ففي تجربة صغيره اقنعوا الطلاب انهم ليسوا مسؤولين عن تصرفاتهم ٬ واعتقد انك ستتوقع بديهياً أن معدل الغش ارتفع بشكل كبير.


اذا الإيمان بأننا مسؤؤلون على نطاق المجتمع مهم للبقاء ٫ قد يبدوا هذا متناقضاً مع كل الأدلة السابقة التي أكدت أننا مسيرون بعمليات كبيرة تحدث في اللاوعي ٫ واننا نتحدث دائما بلسان المُفسر ، ولكن يجب الحذر ٬ فنحن هنا نتحدث عن ظاهرة ( انبثاق ) جديدة لها قوانينها ٫ فنحن في مستوى علاقة الدماغ بأدمغه أخرى وليس دماغ وحيد.


لنتحدث عن مبدأين او فكرتين لنفهم هذه الفقره جيدا ثم سألخص المضمون:

المبدأ الأول هو ما يسمى ب ( نيتش كونستريكشن ) :

في علم الجينات عندما يكون هناك خاصية في الكائن مميزة تساعده على البقاء في ظروف معينه٬ فإن هذه الخاصية تبدأ مع الوقت تندمج لتصبح جزءا من جيناته وتنتقل خلال الأجيال القادمه.

حتى ولو غاب العامل البيئي الذي ساعد في اختيار هذه الخاصيه فانها تبقى جزءا من جيناتنا.

المبدأ الثاني : هو تأثير بالدوين ويقول: بأن تعلم سلوك معين يؤثر على طريقة التطور وكذلك الجينات ، وهذا الاختيار يحدده الضغط المجتمعي السلوكي وهذا يدفع الفرد مع الوقت لاكتساب سلوك يتناسب مع مجتمعه .


من خلال هذان المبدأين نستطيع القول :

بأن العيش وسط المجتمع يؤثرعلى سلوك الفرد ويقيّده ٬ وينعكس سلوك الفرد فيؤثر بدوره على المجتمع ٬ أي ان هناك نوع من التأثير العكسي ٬ فكما ان المجتمع يؤثر عليك فأنت بالضرورة تؤثر على المجتمع وتطوره .

لذلك سلوك الفرد ليس فقط نتاج لدماغه ٬ بل هو نتاج لدماغه وتأثير المجتمع من حوله.

طبعا يجب ان لا ننسى تأثير المجتمع في عملية اختيار الفرد الذي يستحق ان يعيش.

فالصفات الحميده ( من وجهة نظر المجتمع ) إن لم تتمثل فيك فإنه سيتم اقصائك، ومع الوقت ستنعدم الصفة الغير مرغوب فيها تدريجيا.

فلو قلنا مثلا ان فرد تمرد على قواعد المجتمع فإنه يتم ابعاده ويمكن قتله في سبيل جعل صفات معينه فقط تكون هي المختاره ٬ ونجاح هؤلاء الآفراد الذي لا يصطدمون مع قوانين المجتمع ، بهم يستمر الجينات المُختارة للأجيال القادمه ليصبح البشر لديهم صفة ( الحس بالمسؤولية ) وهذا كله يصب في مقاحة بقاء البشر.


والخلاصه هي أن سؤال التخيير آو التسيير هو سؤال يقوم على مستوى المجتمع ككل ٬ فكما سبق وقلنا بأن السؤال قد يُطرح من الخلية العصبيه الى الفصوص٫ الأربعة ، الى الدماغ المعزول ٫ الى الدماغ وتفاعله مع غيره ٫ وهذا المستوى الأخير هو الذي يتناسب مع السؤال – من وجهة نظر – قازانيقا .


وكما ترون أن الإجابة على بعض الأسئلة قد لا تكون : نعم أو لا ٫ نحتاج ان نفهم تفاصيل ومستويات السؤال الذي نطرحه ٬ فنحن عندما ندرس الكون من حولنا يجب ان لا نفرض عليه شروطنا المسبقه ٬ والعلم هكذا يدرس الظواهر كما هي ٫ محاولا تصنيفها وفهمها قدر المستطاع.


( فاصل )


حاولت كالعادة ان اختصر الكثير من التجارب العلميه واجزآء من الكتاب كي لا أطيل عليكم وما اذكره دائما في البودكاست هو جرعة مناسبة تَفتح أفاق واسعه للبحث في مثل هذه الاسئله الشيقة.

إجابات قازانيقا لا يجب أن نقف عندها ونسلم مطلقًا بها ، هو طرح مفهوم جديد محاولًا أن يضيء الطريق لعلماء المستقبل ليُفتشوا بدورهم عن الإجابة بأسلوبهم وأدواتهم.


في النهاية شكرا يا أصدقاء العلم على الاستماع كما واذكركم بالاشتراك في القناة ونشر الحلقة للأصدقاء .

يوجد للبودكاست قناة على اليوتيوب تويتر وصفحة فيس بوك ٫ تواصل معنا وشاركنا بإقتراحاتك ومن يدري قد يكون مقترحك عنوان الحلقة القادمه.

اسم الكتاب ساضعه كالعادة في صندوق الوصف لمن يريد ان يقرأ الكتاب ويستمتع بتفاصيله.


كان معكم نايف ناجي

اترككم بخير .
















3 views0 comments
bottom of page