top of page
  • Writer's pictureنايف ناجي

الحلقة السابعة عشر: من أين يأتي الإبداع؟



أنا نايف ناجي، وهذا بودكاست ذا بريني برين.

إلى العباقرة الذي خسرناهم في الماضي، على أمل أن يساعد هذا الكتاب على بزوغهم في المستقبل.

إهداء من عالمة الأعصاب: نانسي أندرياسن.

من الأسئلة التي يطرحها العقل المتّقد هو كيف أًصبح المبدعون والعباقرة، مبدعون وعباقرة. من أين أتت تلك الأفكار المبدعه؟ أو ليس لدينا جميعاً، نفس العقول؟ إذا ما الذي ميزهم بحق فأصبحوا كالعلامة التجارية التي تربط أسماءهم بالإبداع؟

اليوم سنتحدث عن العقل الخلاق وعلم أعصاب العبقرية، وهذا الكتاب هو لعالمة الأعصاب والطبيبة النفسية نانسي أندرياسن، ولحسن الحظ فإنه مترجم إلى اللغة العربية، ترجمة حميد يونس.

قبل ما يقارب السبع سنوات، كتبت مرة على صفحتي في الفيس بوك، من أين تأتي الفكرة؟

كنت ساذجاَ بامتياز، وأذكر أن صديقي المقرب لدي أجاب : تأتي الفكرة ، ودار بيني وبينه نقاش عن ماهيّة التجلي التي يقصدها، ولم نصل إلى إجابة مقنعة وانتهى الموضوع.

وها أنا ذا أراجع كتاباً يُعتبر كنزاَ، لمحاولة إيجاد حلّ لتساؤلي السابق، من أين تأتي الفكرة، ولكن هذه المرة، من أين تأتي الفكرة المُبدعه، ومن الظروف التي تصنعها.

إن البشر الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ، كان لهم نصيبا كبيرا من الموهبة الإبداعية، ورؤية الأشياء بطريقة جديدة لا يراها الاخرون في ذلك الوقت، فشخص ما أمسك حجراَ وتخيّله أداة، وآخر فكّر أن يصنع منه شيئا مدببا حادا يقطّع به ما يشاء.

وهنا أريد أن أقول: أننا لسنا بذلك التميّز الذي نتخيّله، فالكثير من الأحافير والرسومات والقصص، التي وصلت إلينا ووجدناه تُذكرنا بأننا لسنا إلا مكملين لسلسة من البشر المبدعين، ولو تأملنا قليلا القصص التي وصلت إلينا، لأدركنا أنها اختراع عبقري قديم، فهي وسيلة خلّدت الإنسان للإنسان.

ومن صور الإبداع القديم أن المبدعون تتبعوا حركة الشمس، وابتكروا وسيلة لوضيع جلاميد الصخور، ليقدروا توقيت الانقلاب الصيفي، فكان صرحاً فلكياً ودينياً عظيماً، بلغ من العمر خمسة الآلاف سنه، والذي يطلق عليه اسم ستون هينج.

ولا ننسى الأهرامات في مصر وغيرها من الشواهد التي تقول بصوت صريح أن هناك قومٌ قلبكم كانوا لا يقلون عندكم درجة.

ولكن قبل أن نذهب بعيداً، ونتوه في الموضوع، من أين أتت كلمة يُبدع أو بالإنجليزية Create ، رجعتُ إلى القاموس العربي لأرى كيف فسروها، وذكروا أن كلمة الإبداع تعني إيجاد الشيء من العدم، وهو أخصّ من الخلق.

وفي اللاتينية التي اشتق منها الكلمة الإنجليزية Create تُنطق Creare وتعني أن تبتكر أو أن تصنع، ويرون أنها سمه مقدّسه للإله، وعليه مُنح المبدعون الكبار درجة القداسة.

وتقول الكتابة أن كلمة عبقري تم استخدامها كمرادف لكلمة مبدع، وكلمة عبقري Genius كانت حرفياً تعني ( أن تولد ) أو ( تأتي إلى الوجود)، وفي العصر الروماني تشير إلى الإله أو الروح التي تُوهَب للمرء عند ولادته، ومن شأنها أن تحدد شخصيته وحظه وطالعه.

مع مرور الوقت أصبح تعريف العبقرية يشير إلى الشخص الذي يمتلك قدرات وقابليات فكرية استثنائية من الإبداع التصوري، وهذا ما يَعنينا حالياً.


(موسيقى )

موضوع الإبداع كان شيقاً ولا زال، ومن أوائل من بحثوا فيه هو لويس تيرمان، فهو حاول أن يُعرف الأبداع وفق أساليب منهجية لعلم النفس الحديث، ويُوجد العلاقة بين الذكاء والإبداع، وأطلق مشروع (دراسة العبقرية) عام 1921 واستمر حتى بعد وفاته.

ومن المفارقات التي جعلته يدرس الإبداع، هو انه انتشر مثل شعبي يقول (أن الشخص الذي ينضج قبل أوانه يفسد قبل أوانه) وهذا يشير إلى أن العبقرية لم تكن شيئياً مستحسنا عند الأطفال، بل وتعرضهم للتقهقر الاجتماعي عندما يكبرون.

بحث هذه المقولة وأُثبت أنها خاطئة تماما، وتجربته كانت مقارنة بين مجموعتين من الأطفال الأذكياء واخرين من الأطفال البلداء، ليستخلص في النهاية أنه ليس صحيح، فالذي ينضج قبل أوانه لا يفسد، بل أنهم كانوا أقوى، واكثر تعافياً ونجاحا سواء اقتصاديا أو اجتماعيا.

أتى أيضا العالم الفرنسي (ألفريد بينييه) ليستلهم أول اختبار ذكاء، فهو كان يعمل في لجنة لتقييم تعليم الأطفال المعاقين، ولهذا اخترع اختبار الذكاء من خلال أسئلة في المنطق وقوة الذاكرة، وعلى أساسه وُضع (العمر العقلي) و وضع معدل محدد لكل طفل بناء على تراكم نتائج الاختبارات التي قام بها، ونتج ما يُعرف بال IQ

وهذا الاختبار، اختبار ال IQ يقوم بتقسيم نتيجة الطفل في الاختبار، على العمر الفعلي التراتبي للطفل ( وهذا العمر التراتبي كما سبق، نتيجة لنتائج جميع الأطفال الذين أدو الاختبار)


في الحرب العالمية الأولى وفي أمريكا، طُلب من تيرمان أن يضع اختبار للجيش لكي يتم توزيع الأفراد إلى مجموعات حسب ذكائهم، فالسؤال كان من يستحق أن يكون ضابطاً؟ ومن يستطيع أن يتعامل مع تقنيات معقده وهكذا.

بعد أن اجتمع تيرمان و مجموعة من علماء النفس طوروا اختبار يقيم القدرات العقلية بشكل عام ، وانتجوا اختباري الألفا والبيتا ( فالألفا لمن يستطيع القراءة والكتابة، والبيتا كان للأمويين). ومن شدة إيمان الحكومة الأمريكية بفاعلية هذه الاختبارات أعادت توظيفها أيضا في الحرب العالمية الثانية.

الغريب في الموضوع بعد هذا الكم من الدراسات التي درست مستويات الذكاء، إلا أنها لم تكن ذات مؤشر واضح، نستطيع أن نربط فيه الذكاء بالإبداع، فصحيح أن الذكي لديه مستويات من النجاح لا بأس بها، ولكن ليس دائماً إلى المستوى الإبداعي اللافت، وهنا مربط الفرس، فقد كان هناك دليل علمي أولي يقول أن العبقرية (بمعنى الإبداع) لا ترادف في مفهومها مستوى الذكاء المرتفع، وقد تكون ملكة الإبداع ملكة لها كيانها الخاص.

طيب دعونا نفهم أكثر من يقيّم المبدع على أنه مبدع؟

في الحقيقة أن أعمال عظيمة لم تُفهم إلا بعد وفاة أصحابها، فمثلا فان كوخ رسم مئات اللوحات في حياته، ولم تُعرف إلا بعد وفاته، فهل المجتمع دائماً منصف تجاه المبدعين؟

لذلك لخّص عالم النفس شكزنت ميهالي مقومات وتعريف الإبداع في ثلاث نقاط وهي: المجال الإبداعي، ميدانه، والشخص المبدع نفسه.

فلو أخذنا مثالاً تخصص الرياضيات، فهو يعتبر المجال الإبداعي، والميدان هم الأشخاص الذي يحرسون هذا المجال من نقّاد وهواة وكاتبي مراجعات المجلات، واخر مقوم الشخص نفسه، فيقول ميهالي: يتبلور الإبداع حين يقوم شخص ما بتسخير قوانين مجال معين مثل الموسيقى، أو الهندسة أو ريادة الأعمال، فيطرح فكرة جديدة أو نمطا مستحدثا، أو عندما يمتدح الميدان ابتكاره الرائد ويدرجه ضمن المجال الخاص به.

ولعلي هنا أتذكر عالم الفيزياء الشهير اينشتاين، فبالرغم من أن أكثر الناس يجهل تفاصيل نظرياته، إلا أن روّاد المجال نفسه شهدوا له بالعبقرية والذكاء.

فالنقطة الحاصلة هنا أن الشخص المبدع، قد يكون مبدعاً حقاً، ولكن المجتمع قد لا يفهمه جيدا، وما يُبرزه ويظهره هو أصحاب الميدان المسؤول عن المجال.


دعونا الآن نتعمق أكثر ونفهم ماهي عناصر الإبداع.

أحد اهم هذه العناصر هي الأصالة، فالإبداع في لبه يتكون من إدراك علاقات جديدة بين الأشياء، وطريقة ملاحظة العلاقات بينها، وطرق لمحاولة رسمها.

أما العنصر الثاني فهو المنفعة: فمثلا تستطيع أن تتخيل سيارة بدون عجلات، لكنَ هذا الخيال لا يحمل أي قيمة إبداعية.

العنصر الأخير هو أن يؤدي إلى (نتاج) من نوع ما، فالإبداع يحتاج لخلق شيء ما.

إذا بشكل مبسط: يبدأ الشخص المبدع في تناول مشكلة أو بحث تساؤل، ثم يحاول إيجاد صياغة عميلة إدراك خلّاقة جديدة ثم يصبح هناك نتاج.

ولكن كيف يستطيع الإنسان أن يخلق أفكارا وصورا تأسس للإبداعه؟

هذا ما سنفهمه في الفقرة التالية


(موسيقى)

تذكر الكاتبة في الفصل الثاني مثال لقصيدة صنّفت على أنها من أروع ما كتب في الشعر، وهي قصيدة ل صموئيل كولريدج باسم قُبلاي خان، رؤيا في حلم.

صموئيل يذكر في قصته أن أصيب بالدرن، فعاد إلى الجزء الجنوبي من إنجلترا وبدأ يأخذ علاجا مشتقا من الأفيون ليخفف أعراضه.

وتحت تأثير الأفيون غلب عليه النوم بينما كان يقرأ وصفاً لقصر قُبلاي خان في كتاب يُدعى الحج، واستمر هذا الشاعر في النوم لثلاث ساعات تقريبا.

رأى في المنام رؤيا عن نفسه بينما كان يؤلف ما يقارب ال 200 بيت، استيقظ من النوم وعادت إليه ذكرى القصيدة، فبسرعة أخذ القلم وبدأ في كتابتها، ولسوء الحظ دُعي للعمل، ولما عاد كانت أغلب الأبيات الشعرية قد طارت ما عدا بعض الأبيات المفككة، ولذلك لم يتذكر البيت الأخير.

وما نُريد أن نفهمه هنا أنه في لحظة تخدّر دماغه نظّم في الرؤيا التي رأها في حلمه صورا وكلمات لقصيدة أخاذة، ومن هنا نسأل، إلى أي مدى يساعد اللاوعي في خلق الفكرة أو القصيدة، فهذه القصيدة تُعتبر حرفياً أنها كُتبت في المنام، والوعي لم يتدخل في ذلك.

وسؤالنا الاخر، ما مدى تأثّر الإبداع بالوسط والبيئة، فهو قد كان يعيش في وقت حرج من حياته لمرضه.

هذه التساؤلات تحتاج للنظر، فهل نحن في حالة الوعي أقل إبداعاً من حالتنا اللاوعيه؟ سنرى

دعونا الآن نرى ما هي الدراسات العلمية التي ركزت على مفهوم الشخص المبدع؟ وهل بالضرورة أن ذكاءه يجب أن يكون مرتفعا جداً؟

في هذا النوع من الدراسة، اعتمدوا على دراسة الحالة وعمل مقابلات مع الأشخاص المبدعين، لعلهم يصلون إلى فهم الإبداع وسماته ولو جزئياً.

طُلب من الأشخاص البارزين في مجال معين، تقديم الأفراد الأكثر إبداعاً لديهم، وتم زيارتهم فردا فردا وإجراء المقابلات معهم.

وكان من ضمن ما صيغ في هذه الدراسة هي(نظرية العتبة)، وتعني أن الذكاء والإبداع، إذا ما وصلا إلى مستوى معين، فإنهما لا يعودان مرتبطان مع بعض، أي أن المبدعين أذكياء عموماً، لكن ليس ضروريا أن يكونوا شديدي الذكاء، وهذا يُشعرنا بالراحة قليلا بأنه لا يزال هنالك فرصه بأن نكون مبدعين،

عموما درجات الذكاء لدى المبدعين في هذا الدراسة كانت ما بين 120 –130 وهي درجات عالية، ولكنها لا تتناسب مع مستويات الإبداع العالية جداً لديهم.

طيب، ماهي صفات الشخصية الإبداعية التي استخلصوها من هذا كله؟

هناك بعض السمات التي يتقاسمها المبدعون في جميع المجالات وهي:

الانفتاح على التجارب، فهم يجربون كل شيء بدون تردد

القدرة على المغامرة، والتمّرد على المجتمع وعلى الأفكار السائدة

الفردانية، الحساسية، المرح، الثبات، الفضول والبساطة.

هذه السمات تجعل من المبدع يعيش في حالة اغتراب ووحدة، لأنه ببساطه لا يلتزم بالمواثيق الاجتماعية، ومتسامح مع الغموض واللون الرمادي، وتراه أيضا يعيش في عالم من التساؤلات والحدود الضبابية، وهذا يصب في الأخير إلى تضبب حدود الهوية والذات، مما يجعله عرضة للأمراض النفسية لأن حدود الأنا داخله ليس لها حد.

والغريب في حالة المبدع هو أنه مفرط الحساسية في نفس اللحظة التي لا يبالي فيها بالتقاليد، فهو حساس تجاه ما يُعاني منه الآخرين، وبمعاناته هو أيضا، وهذا كله يزج به هذا في عاصفة من مشاعر الألم والوجع، فهو يعيش حرفيا في حافة الفوضى.

الشيء الآخر الذي يجعله فريداً هو قدرته على المغامرة، والتمرد في الطباع مع بعض الملاعبة والمرح، فتراه يتواصل مع العالم من حوله بصورة مرحة وطفولية لتصنع له لحظات مبهجة مرة ومره.

والمبدع كذلك هو شخصية قادرة على الاستمرار رغم الرفض المتكرر، فهو يرى أنه يجب عليه تخطي الحدود وإدراك الأشياء بطريقة جديدة.

والصفة الأهم في المبدع أيضا أنه شديد الفضول، وكثير التساؤل ولديه القدرة في الغالب على العمل لساعات طويله، ولديه مثاليه وهوس في عمله ليصل إلى فهم ما يريد، وقد ترا أن كل حياته تدور حول عمله ولا يكترث لأي شيء آخر!


وفيه هذا الصدد يفترض العلماء الذين صمموا اختبارات الإبداع أن المكون الرئيسي للعميلة الإبداعية هو القدرة على (التفكير المتشعب)، وتعني ان طريقة التفكير هذه تطرح الكثير من الإجابات الملائمة لأي أسئلة مطروحة، عكس التفكير المتجمّع والذي يركز على إيجاد إجابة واحده.

وسأذكر مثالاً لفهم ما المقصود، لو سألتك كم ناتج 3 زايد 3، ستكون الإجابة 6، ولكن ماذا لو قلت لك ماهي الرقمين الذين اذا جمعناهما مع بعض يكون ناتجهما سته؟

ستكون الإجابات هذه المرة كثيرة جدا، ف 1 زايد 5 يساوي 6 ، و2 زايد 4 كذلك تساوي سته وهكذا.. وهذا هو التفكير المتشعب، والذي أرى أنه يجب أن يُفعل جيداً في مدارسنا.

وفي إطار التعليم، فقد طوّر عالم النفس جيلفورد اختبارا للإبداع، يُدعى اختبار بنية الذكاء ال SOI ويشمل عددا من الاختبارات الفرعية، وهو مناسب لأطفال المدراس وكذلك عامة الشعب، فهو يفحص طلاقة التفكير في المجالات اللفظية والبصرية. فمثلا قد يكون من ضمن الأسئلة:

ماهي العواقب الممكنة في حالة أن الناس لم يعد لديهم الحاجة للنوم؟

أو مثلا قد توضع أمامك مجموعة من الأشكال ويجب عليك أن تصنّفها.

وهذا الاختبار جيدا لفرز الأطفال الموهوبين، ويستخدم أيضا تقييم في تقييم أفراد الجيوش.



(موسيقى)

تَذكر الكاتبة أنها وأثناء السفر بالطائرة، التقت بصديق لها يكتب ويؤلف المسرحيات، يُدعى نيل سيمون، ونيل هذا مهتم أيضا بطبيعة الإبداع،

وذكر لها ماهي المكونات الأساسية من وجهة نظره للإبداع، وكانت هذه المكونات لا تختلف كثيرا عن ما استخلصته نانسي من مقابلاتها مع المبدعين.

يقول أن هؤلاء الأشخاص من الناحية النفسية (انفصاليين) أي أنهم يستطيعون فصل أنفسهم عن الواقع المحيط بهم، كالانجراف إلى حالة أبعد ما تكون من الواقع، يٌشبه هذا الواقع حالة من اللاوعي، فالأفكار يراها تتلاطم امامه بحرية ثم تتلاقى في نهاية المطاف.

ثم يذكر أن بعضهم يقول: أنا لا أكتب واعياً، و يبدوا الأمر وكأن ملاكاً يجلس فوق كتفي.

فالإبداع ليس عملية منطقية وعقلانية منظمة، على العكس فجوهر المنتج الإبداعي لا يمكن التخطيط له فهو يأتي متى شاء.

حتى أن نيل نفسه يقول عن مسرحياته (أنه لا يعرف من أين تأتي الأفكار) هي تأتي وفقط، ويذكر أنه عندما يكتب مسرحية فهو لا يعرف كيف سيكون المشهد الأخير من الحوار.

علاقة المبدعين مع الأفكار غريبه من نوعها، فهم منغمسون فيها وأقل تحفظها منها في نفس الوقت، فلا تستغرب إن سها عقله وهو يتحدث معك، فهم أٌقل رقابة على مدخلات الأفكار، سواء من المحيط أو من أنفسهم، ويسمى ذلك بال(العقل الساهي) فعقولهم تنتج مدخلات ثابتة من أفكار، قد تبدو متفككة وغير متكونة إلى حد ما.

يُضيف أيضا أنه يعشر دائماً بأنه غير مرئي، ويقصد أن المبدعون يفضلون أن يراقبوا عن كثب، فإن أصبحوا غير مرئيين للآخر، فإن هذا يسمح لهم بالمراقبة أكثر وبدقة أكبر، فالمبدع يستطيع أن يكون مراقباً غير منحاز ومنفصلا عن العالم.


الآن سنذهب لنرى عن قرب كيف تتخلّق الأفكار المبدعة، وما سأذكره هنا هو قصة من خمس قصص سردها الكتاب، وتحث داخل عقول المبدعين، فمن الصعب أن أسردها جميعا، لذلك سأكتفي بواحدة منها وتفي بالغرض المقصود.

يقول بيتر إليتش تشايكوفسكي وهو مؤلف روسي للموسيقى، أنه ومن الصعب أن يُعيد خلق مقطوعة لو انقطع حبل الإلهام في المنتصف، وأن الملحن لا غنى له عن الجلوس والمحاولة. ويصف إتيان فكرة المقطوعة الموسيقية كانغراس بذرة بصورة مفاجئة وغير متوقعه، فإن كانت الروح ميالة ومستعده وتوجد رغبة العمل، فإنها ستتجذر هذه البذرة بقوة وسرعة، لتنبثق كما تنبثق الشجرة من الأرض وتنشر فروعها وأخيرا تُزهر.

ويقول أنه حينما تستيقظ الفكرة فهو ينسى وقتها كل شيء ويتصرف كالمجنون، فيأخذ كل شيء فيه بالنبض والارتجاف، وبالكاد يستطيع أن يكتب خربشات الأفكار واحدة تلوى الأخرى.

ويضيف أيضاً أن الموسيقى هي من تحركنا، وهي في الحقيقة تتدفق من أعماق روح الملحن حين يحركه الإلهام، ويجب علينا أن لا نصدق حين يحاولون اقناعنا بأن التأليف هو مجرد تمارين باردة بلا ذكاء.

ويتحدث عن لحظات التنويم المغناطيسي والتي تعتريه، وأنه لا يعود لرشده إلا إذا دخل عليه أحد أو دقت الساعة.



نعود الآن إلى ما الذي يقوم به الدماغ ليخلق مثل هذا الإبداع؟

الدماغ يُوصف على أنه نظام ذاتي التشغيل، ومعقد.

فلدينا ما يقارب ال 86 مليار خلية عصبية، وتشابكات عصبية تُقدر بالكوادريليون، ولذلك فهو يحتوي على مكونات لا حصر لها، لتنظيم نفسه ذاتياً، فهو يوّلد أفكارا عفوية باستمرار، ويُكوّن حلقات من ردود الأفعال الصغيرة والكبيرة، ويمكن أن يمتلك مدخلات سلبية وإيجابية، وعلى هذا فهو يعتبر عضواً مثالياً لتوليد الأفكار الديناميكية غير الخطية.

وعمل الدماغ الطبيعي هو مثال للإبداع، ويطلق عليه (الإبداع الاعتيادي)، فلو تأملنا القدرة البشرية على توليد تسلسل منظم من الكلمات المنطقية لأدركنا كم هو إعجازي، فأنت عندما تتحدث مع صديقك مثلا، هنا بالذات أنت تعيش حالة ابتكار، فمن الممكن جدا أنك تبتكر لغة جديدة، فصحيح أن معظم الحديث فيه تكرار، ولكنك حتماً ستصنع جملة جديدة تماماً، وكأن أحدا لم يبتكرها من قبل.

وتذكر نانسي أيضا أن التفكير في مثال الحديث مع أحد، هو حالة من التفكير المنظم أو الواعي، فنحن في حالة تماهي مع الشخص الآخر، فأنت يجب عليك أن تفهم ما يُقال لك، وتستنبط من المكونات الحركية المعنى، فارتفاع الصوت وانخفاضه له دلالاته، فأنت تقوم بتعديل خطة الحوار بشكل مستمر للتماشي مع الشخص الذي أمامك.

طيب، فهمنا ما هو التفكير الواعي والمنظم، ماذا عن التفكير اللاواعي؟

يُعرّف التفكير اللا واعي على انه نمط التفكير الاستثنائي، فنحن جميعا كما ذكرت نفكر بطريقة اعتيادية في حياتنا اليومية وتداولاتها، ولكن من منّا لديه تفكير لاواعي أو استثنائي؟


من علماء النفس الذي يستحقون أن نُلقي عليهم الضوء في هذه الفقرة، هو عالم النفس الشهير سيغموند فرويد، فهو يعتبر من أوائل الذي لفتوا نظر العالم أجمع إلى دراسة اللاوعي.

كان فرويد منغمسا في عالم الطب النفسي والطب العصبي معا، وكان مرضاه النساء غالباً ما يشتكون من أعراض جسمانية غير قابلة للتبرير، وعُرفت هذه الحالات بالهستيريا، فقد يُصاب هذا المريض بالشلل او العمى أو عدم القدرة على الكلام، دون وجود أي سبب عضوي يفسر ما لذي يحدث، وهو يقول أن مرضاه يعانون من ضغط فكري يأتي من أفكارهم المكبوتة، والتي بدورها تؤثر على بقية الأعضاء.

هذه الأفكار المكبوتة تكون قابعه في مستوى اللاوعي، واستنتج فرويد أنه لو استطاع ان يُطلق هذا الأفكار والذكريات ويحررها، فإن الأعراض قد تخف.

والطريقة التي اعتمدها هي معروفة ومشهورة ودائما ما نشاهدها على التلفاز وفي كل مكان، وهي ان يستلقي المريض على أريكة، ويتحدث بحرية تامة عن أفكاره ويبوح بما يدور في ذهنه، وهذه الطريقة تسمى بتداعي الأفكار الحر أو ال free association

تداعي الأفكار الحر هذا هو مدخل إلى الإبداع ومهما في فهمه، لأن هذه العملية العقلية لُبها هو أن العقل يؤسس رابطا بين الأشياء الغير مرتبطة مسبقاً بدون جهد واع، وهنا يظهر أول خيط مهم لفهم الإبداع.

هناك تجربة علمية جريئة قامت بها نانسي لدراسة اللاوعي، وفيها استخدمت تقنية التصوير العصبي وقياس تدفق الدم في الدماغ، لتفهم من أين يوّلد الدماغ أفكاره اللاواعيه.

وهي استخدمت تقنية فرويد في التداعي الحر، وتذكر أيضا أن نوع الذاكرة التي تُستخدم في مثل هذا النشاط، هي الذاكرة العرضية أو ال episodic Memory فماذا نعني بالذاكرة العرضية؟

بشكل عام لدينا نوعين من الذاكرة العرضية والدلالية، والعرضية تعني السيرة الذاتية للشخص وتجاربه، بينما الذاكرة الدلالية هي ذاكرة المخزون للمعلومات العامة كمثل أن السماء زرقاء، والشمس تطلع من الشرق.

وكما ذكرت فإن التجارب الشخصية التي يمر بها الشخص وسيرته الذاتية تكون في ذاكرته العرضية، ونستطيع أن نصل إليها عن طريق الوعي، وكذلك عن طريق اللاوعي لأنها دفينة داخل عقولنا.

والذاكرة العرضية تعتمد على الأفكار الهائمة غير المباشرة وغير الموجهة، وهي تشكل عمليات التفكير الأولية، ليس ذلك فحسب، بل إنها تعتبر مصدر للعمليات الإبداعية، وكذلك التأمل، التجارب الدينية والأحلام.

الآن، ماهي الطريقة التي أوصلت نانسي لنتائجها المهمة؟

تقول أنها في دراستها هذه استخدمت تقنية ال PET وهي باختصار قياس تدفق الدم إلى مناطق معينة في الدماغ أثناء التجربة، فتدفق الدم إلى منطقة معينة يعني أنها نشطه في هذه اللحظة.

في البداية سألت الأشخاص الخاضعين للفحص، أن يصفوا ما فعلوه خلال ذلك اليوم ابتداء من استيقاظهم صباحا، وهنا لا زلنا على مستوى الوعي، لذلك اسمت هذا الشق من التجربة بالذاكرة العرضية المركزة، أي أن الشخص يركز على سرده يومه.

بعد ذلك قارنت هذه الحالة الذهنية مع ما اسمته بالتفكير العرضي الصامت والعشوائي ال Random episodic silent thought ويُختصر بكلمة REST أو ما سنُسميها بالعربي الراحة.

في حالة الراحة، يقوم الشخص بالاستلقاء على السرير، وهو مرتاح البال ويجعل أفكاره هي من تقود في كل اتجاه، لا سؤال يُطرح عليه ولا يوجد شخص يُوجه أفكاره، حالة من الصمت العشوائي الهادئ. وهنا يبدأ تداعي الأفكار الحر في الظهور، وهذا هو ما نريده، طبعا في هذه اللحظات هي تقوم بالتقاط صور للدماغ لتفهم ما لذي يحدث.

نتيجة هذه التجربة كانت مبهره، فقد لاحظت أنه في حالة الراحة وتداعي الأفكار الحر، فإن جميع القشرات الترابطية في الدماغ كانت نشطه.

فالأشخاص الذين جعلتهم يتحدثون عن يومهم فقط، كانت مناطق محددة هي من اشتعلت للتركيز في التسلسل، بينما في حالة الراحة والتداعي الحر كانت جميع القشر الارتباطية نشطه.

طبعا سبق وان تحدثنا عن القشر الارتباطية، ولكن سنراجعها بشكل سريع، في الدماغ يوجد مناطق أولية للمدخلات الحسية، وهناك مناطق ثانوية (او مناطق ترابطية). لو أخذنا السمع كمثال، عندما يصل الصوت إلى أذنك ومن ثم إلى عقلك، في هذه اللحظة أنت تعي بوجود صوت ما، أي ان هناك حالة تشد انتباهك لتُدرك الصوت، ولكن عندما تريد أن تفهم تفاصيل الصوت ومن أين أتى وماذا يُقصد بالصوت، هنا يأتي عمل المنطقة الثانوية السمعية أو المنطقة الترابطية، فأنت يجب أن ترى مثلا الشخص الذي أًصدر الصوت، وتحتاج هنا للنظر، أي أن منطقة حاسة النظر لها ارتباط مع منطقة السمع، وقد تشمّ الشخص إن كان قريبا منك فتحتاج إلى ارتباط مع حاسة الشم وهكذا، كل التفاصيل التي تخص الصوت تكون عبارة عن مجموعة من الارتباطات بين أجزاء متفرقة من الدماغ، كل واحدة منها لها وظيفتها.

بعد أن فهمنا ماذا تقصد بالقشرات الترابطية، سنفهم أنه وفي حالة الراحة وتداعي الأفكار، تبدأ القشرات الارتباطية مع فصوص دماغية أخرى بالتصادم وتشكيل روابط وأفكار جديدة، تكون هي منبع الإبداع، ولأننا ذكرنا أن الإبداع هو أن تفكر في شيء وتصنع منه شيء جديدا بأسلوب مبتكر ومغاير، فحالة الراحة وتداعي الأفكار كانت هي الميدان لمثل هذا.

طبعا فيما يخص الإبداع الاستثنائي، فإنه من المحتمل جداً أن العمليات العصبية التي تحدث لهؤلاء الأشخاص تكون أكثر ضخامة وغزارة من عمليات الإبداع الاعتيادي.

وما يعزز هذه العمليات العصبية هي أيضا بعض الصفات التي تساعد على المنتوج الإبداعي، فكما عرفنا أن من سمات الشخصية المبدعة أنها تعمل لساعات طويلة، فاغلب الروائيين منهم لديهم مفردات أغنى من المتوسط ويصقلون مهاراتهم من خلال الممارسة الجادة.

وكما شاهدنا في هذه الفقرة، أن أصحاب الابداع الاستثنائي ينعمون بأدمغة أكثر رشاقة في إنشاء ترابطات حرة، تكون في حالة شبه نائمه، وانها تأتي هكذا بدون استئذان.

وبلا شك أن المبدعين ليسوا دائماَ في هذه الحالة من الانفصال عن الواقع، ولكن أهم النقاط التي ترتكز عليه أعمالهم، تأتي من عالم الارتباطات العصبية الحرة، والتي تُعيد تشكيل كل شيء بطريقة غريبه، وفي أحيان كثيرة لا تُصدق!


(موسيقى)

يقول أرسطو: أولئك الذين غدوا أعلاما في الفلسفة والسياسة والشعر والفنون، هم الأكثر عرضة للميلانخوليا، والميلانخوليا هنا تعني الاكتئاب أو المزاج السوداوي.

فهو هنا يقول بالفم المليان أن الأمراض النفسية ترافق المبدعين.

ويقول جون درايدن: الذكاء الأخاذ والجنون صنوان ولا يفرّق بينهما إلا خيط رفيع.

وقالت العرب قديما: بين العبقرية والجنون شعره.

لقد تشبّعت الثقافات بمثل هذه الأفكار، والتي دائما ما تجمع الجنون والعبقرية في سلة واحده، ولكن ما مدى صحة ذلك علمياً؟ وهل هنالك دراسات تدعم هذه الفكرة؟

تُوفي فان كوخ في سن السابعة والثلاثين انتحارا، و واجه مارتن لوقر نوبات عصبية من الاكتئاب، وأضف عليهم اينشتاين، ونيتشه والكثير الكثير من المبدعين والذين عانوا من أمراض نفسيه، ولكن سؤالي هنا لماذا؟ لماذا مثل هذه العقول تقع ضحية لأنياب الامراض النفسية.

في دراسة أولية فُحص فيها علاقة العبقرية والاضطرابات النفسية، وكانت لهافلوك إيليس بعنوان: (دراسة العبقرية البريطانية) لما يقارب 1000 شخص، وجد فيها أن ما يقارب 9 % من العباقرة يعانون من اكتئاب حاد، و 5 % جنون، والخجل والعُصاب 7 %.

وفي دراسة أخرى من جامعة آيوا قارنوا فيها بين الكتاب وأناس عاديون، و وجدوا فيها أن الكتّاب لديهم أمراض نفسيه بنسبة عالية مقارنة مع العاديين، فها هم يعانون من اضطراب المزاج الثنائي وتعدوا الناس العاديين بما يقارب ال 20%، ويعانون أيضا من الاكتئاب والإدمان وكان الفرق واضحاً، فعدد الكتاب كان كبيراً.

وقد درس الطبيب النفسي الايسلندي جي إل كارلسون العلاقة بين الإبداع وتوارث مرض الشيزوفرينيا، ليجد أن أقارب الأفراد المبدعين لديهم معدلات إصابة بهذا المرض عالية.

والشيزوفرينيا أو الفصام هو اضطراب نفسي يجعل المصاب به في حالة من الهلوسة فهو قد يرى أشياء لا نراه، ويسمع أصوات ويشم روائح ليس موجودة، ولا تتعجب أن رأيته يتحدث مع نفسه.

وتُقسم أعراضه بشكل مجمل إلى أعراض إيجابية وسلبية، فالإيجابية تعني أن الدماغ نشط ويخلق تصوّرات هلوسية كما ذكرنا، والسلبية منها يميل إلى الاكتئاب وعدم الاكتراث بشيء، وهبوط في المزاج وتصرفات تصل إلى عدم الاهتمام بالذات.

نعود إلى موضوعنا، يُذكر أن عالم الرياضيات الشهير بيرتراند راسل كان لديه تاريخ أسرة يدعم الفرضية القائلة بأن الإبداع العلمي قد يكون مرتبطا بالشيزوفرينيا.

ونيوتن الفيزيائي العظيم كذلك كان شكاكا دائما، وأظهر طوال حياته سمات ذُهانية كثيرة، وكان لديه معتقدات كثيرة متطرفة مثل الهوس بالسحر والكيمياء ويُعتقد أنه ضمن ( طيف الشيزوفرينيا)

ألبرت اينشتاين أيضا كان لديه سمات ذُهانية، مثل قل النظافة وسوء الملبس ونقص المهارات الشخصية، وفي الواقع أن ابنه من زوجته الأول كان يعاني من الشيزوفرينيا.

وعلى هذه الشكوك بين علاقة الشيزوفرينيا بالإبداع، هناك دراسة أٌقيمت تؤكد إلى حد ما أن المبدعين أنفسهم لا يعانون من هذا المرض، بل لديهم معدل شيزوفرينيا مرتفع لدى ذويهم وأقاربهم.


ويعيش المبدعون عموما في عالم أكثر ضبابية، فهم في الغالب مرفوضون من المجتمع، لأنهم غير تقليديين، فيؤدي بهم هذا إلى الاكتئاب والاغتراب الاجتماعي، وما يجعل الأمر أكثر صعوبة هو الانفتاح الذي يعيشونه فيجعلهم على الحافة.

وأعجبني تعليق طبيب النفس أوجين بلولير الذي أطلق على الشيزوفرينيا بظاهرة (خلخلة الترابطات) ، فعندما تقوم الترابطات التي تتقافز داخل الدماغ بتنيظم نفسها فهي في الواقع تُشكّل فكرة جديدة، نتاجها الإبداع. ولكن إن أخفقت في التنظيم الذاتي وشكّلت فكرة مغلوطة فإن النتيجة ستكون الذهان.

ومن هنا قد نفهم سبب انتشار هذا المرض في عائلات المبدعين، حيث أن هذا التخلخل في الترابط، إما أن ينتج شخص مبدعاً بفكرة عظيمة، أو أن تبدأ لديه أعراض الهلوسات!

ومن الأشياء التي تكون واضحة في صفة المبدع، هو أن لديه حساسية شديدة تجاه المدخلات، فنحن في العادة نتجاهل الكثير مما يحدث حولنا، ونحاول التركيز وتصفية المدركات الغير الضرورية، ولكن المبدعين هُم في حالة مفرطة من الإدراك لكل شيء من حولهم، ويجعلهم ذلك عرضه للتشتيت السريع، وهذا قد يقودهم لإدمان الكحول كنوع من تثبيط هذا العقل الذي لا يهدأ، ويتبعه بعد ذلك اكتئاب يجعله يفضل الانعزال الاجتماعي لينعم بمدخلات أقل.

وفي هذا الصدد نجد أن الكثير من هؤلاء البشر معدلات الانتحار لديهم عالية، والسبب معاناتهم النفسية الشبه دائمه.


دعونا الآن نناقش سؤال: من المسؤول عن الإبداع، الطبيعة أم التنشئة؟

فهل يكفي أن يكون لديك قابلية لأن تكون مبدعا؟ أم تحتاج لبيئة حاضنة للإبداع أيضا؟

في الحقيقة أننا نحتاج الإثنين معاً.

فمن القراءة التاريخية لتاريخ البشر، نجد أن الإبداع البشري يكون مزدهرا في عصور دون عصور، وسنلاحظ أن المبدعون يتفجرون ويخرجون من كل حدب وصوب في عصور الازدهار.

ومن الأمثلة على ذلك أثينا في القرن الخامس والرابع، كانت حاضنة للإبداع ، فهي موطن سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم.

وهناك أمثلة أخرى مثل باريس في القرن التاسع عشر.

لذلك نحتاج إلى عقل مبدع، نعم، ولكن إن لم يكن هناك حاضن يهتم به وينشأه منذ الصغر بطريقة احترافية، فإنه في الغالب لن يكون له ذكر.

وسأذكر مثال ليونارود دا فينشي وكيف أن البيئة كانت ركيزة مهمه لنقش اسمه.

في البداية دا فينشي لم يكن من أصول غنية، ومن خلفية لا تمت للإبداع بصله، ولكن كان لديه اندفاع غريزي واستعداد داخلي، فقد كرس جلّ حياته في صقل موهبته، ولكن الذي أشرف على تدريبه هم أساتذة الفن في عصره.

بدأت قصته عندما لاحظ ابوه موهبته في الرسم، فأخذ أبيه بعض رسماته إلى أحد أهم نحاتي فلورنسا وقتها، لكي يعرف مدى موهبة ابنه، فأكد النحات على ضرورة أن يصبح الفتى رساما.

ذهب دافينشي إلى استوديو فروكيو، وسرعان ما بدت موهبته جلية و واضحة هناك. وهذا مثال يؤكد على أنه يجب أن يكون هناك موهبة فطرية مع تنشئة صحية وداعمة لتظهرالعبقرية.

طيب دعونا نحاول أن نفهم خصائص البيئة الحاضنة للإبداع:

في مثل هذه البيئات يتواجد التالي:

الشعور بالتحرر والأصالة: فليس من المعقول أن يكون المجتمع قامع لكل أنواع التحرر والأفكار الجديدة، وتريد أن تُوجد أناس مبدعين، فكان مثلا عصر النهضة مميزا وروح عصره فكت القيود القمعية القديمة عديمة النفع، وكان التبصر والأفكار الجديدة مرحبا بهم.

العنصر الثاني هو النقّاد: فالتفاعل مع الاخرين وتبادل الأفكار مهم جدا في التنشئة الإبداعية، ويضفي جانب تحدي جميل، ويتعلم الشخص كل جديد، فإذا أحيط المرء بمن هم في نفس مستواه دفعوه للأعلى.

العنصر الثالث: الجو التنافسي الحر النزيه: في عنصر النهضة تُكلف النقابات المحلية والسلطات بإقامة مناسبات للتنافس بين الموهبين، وكلٌ يقدم ما لديه سواء من تصميم او غيره، ويتم اختيار الشخص ذو الكفاءة العالية ومن يستحق.

العنصر الرابع لتنشئة صحية هو وجود المرشدون والرعاة: فإذا كان المعلم ضليعاً، فهو بالضرورة سيكتشف التلاميذ من صغرهم فيتربون ويلقون تدريبا كافيا ليبزغ ويلمع نجمهم. والرعاة الأثرياء كان لهم دور في الدعم المادي.

العنصر الأخير: الازدهار الاقتصادي، فلو نظرنا للتاريخ لوجدنا أن علاقة الاقتصاد بالإبداع مهمه، فالمكتبات والصالونات والحدائق وتجمعات الفن تحتاج إلى داعم مالي بلا شك.


نعود الان إلى الموهبة الفطرية، تذكر الكاتبة أن الجينات لها دور جزئي، وتأثيرها واضح، فبعض العائلات اشتهرت بمبدعيها، والمصدر الأكبر لهذا الرأي هو توارث الإبداع بطريقة الاستقراءات. فقد كانت عائلة باخ مثالا حيا، حيث يمتد الأعضاء المبدعين فيها إلى ثمانية أجيال. وقد يساعد في ذلك توارث الخبرات أيضا، فعندما تعيش مع عائلة موسيقية بامتياز، ستكون فرصتك الجينية وتعرضك المبكر للموسيقى بشكل احترافي دور مهم تنشئة صالحة.


(موسيقى)

سبق وتحدثنا في حلقة سابقة عن المرونة العصبية للدماغ، وتعني قدرة الدماغ على إعادة تشكيل نفسه. وهنالك مفهوم جديد مهم لفهم الإبداع وهي الفترات الحرجة: وهذه الفترات تُعرف على أنها نوافذ محدودة نسبيا يستطيع الدماغ أن يتعلم ويتطور بشكل سريع وأفضل، واذا كُبحت هذه الفرصة خلال الفترات الحرجة، ففي الغالب سوف تُقفل النوافذ للأبد، ففي تجربة قاموا فيها بحجب المدخلات لعين واحده للقطط في بداية حياتها، وجدوا أن ذلك سيُنتجب خلل دائما في العين، لأن انعدام الرؤية في مرحلة مبكرة، لا يجعل الخلايا العصبية تنمو نموا صحيحا، وبالتالي تصبح المدخلات البصرية في حالة من الفوضى.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تعلم القراءة والكتابة والتحدث باللغات الأجنبية، فقد اثبتت الراسات أن الوقت الأمثل لاكتساب اللغة يقع ما بين سن السنه إلى 12 سنة، فهذه الفترة تعتبر فترة مهمه لتعلم اللغات واتقانها، وفِهم الفترات الحرجة وإيجاد البيئة المناسبة للتعلم في الوقت المناسب أحد أسرار صناعة أفضل العقول .

وكمثال على ذلك، يبدأ الأفراد الذي يحترفون قراءة الموسيقى في سن مبكر، فيتدرب الموسيقيون الصغار طريقة تقليد أصوات الموسيقى التي يسمعونها، ويتم كخطوة أولى ما بين سن الثالثة والسادسة من العمر.

ووجدت دراسة تمت على 26 شخص موسيقيين مع 26 شخص غير موسيقيين أن ادمغة الموسيقيين تمتاز بتضخم المادة الرمادية في منطقة بوركا، وهي المنطقة المسؤولة عن نظام اللغة.

والكتاب أيضا ذكر فروقات واضحة لكيفية تطور دماغ المبدعين عندما يتعرضون للموسيقى في سن مبكر، وعلى ذلك يمكننا أيضا أن نقيس باقي المهارات، فكلما تعرض الطفل لأنواع مختلفة منها، كانت فرصة حصوله على دماغ متميز أكبر وأكثر.


بعد كل ما ذكرناه عن العقل المُبدع، كيف نستطيع أن نُدرب عقولنا لتكون مبدعة أكثر؟

هناك بعض التمارين الجميلة التي ذكرتها عالمة الاعصاب نانسي لعقل أكثر إبداعا:

من أحدها أن نكتشف مجال جديد وغير مألوف لنا ونتعمق فيه، بهذا الأسلوب سيبدأ الشخص منّا في خلق روابط جديدة بين علوم مختلفة، فحاول مثلا أن تقرأ في الفلك وتتعمق فيه إن كنتَ تحب السياسية، أو اقرأ في علم الأعصاب أن كنت تحب الأدب – وفي غالب جميع من يسمعونني الآن هم محبين لعلم الأعصاب-،

عموما حاول أن تجد موضوعا بعيدا كل البعد عن مجالك، فمثلا الرسامون الذي نجحوا في رسم جسم الإنسان بطريقة احترافية درسوا تشريح جسم الإنسان كالأطباء.

أيضا حاول أن تقضي بعض الوقت في التأمل والتفكير المحض، يشمل ذلك التأمل. فقد وجدوا أن التأمل يُنتج ذبذبات تدعى بالقاما، وتؤثر بشكل واضح على الدماغ، فهي تساعد في تشارك المعلومات ودمجها للوصول لحل مشكل ما.

حاول أيضا أن ان تراقب وتصف الأشياء التي تراها، فتأمل مثلا تأثير مشاهدة الطيور فيك او ماذا تقول لك اللوحات من مشاعر، جرّب ان تفكر وتصفها بتأن، ثم حلل وتفكّر، ستُلاحظ مع الوقت أنك أصبحت مراقبا محترفا وبديهيا محللا. وهذا سيخلق لك عادة جديدة، تٌساعد دماغك في إنشاء ترابطات جديدة أكثر إبداعية.

مارس أيضا التخيّل، فالتخيّل يسمح لك بأن تكون شخص آخر، بل وينقلك من مكان لآخر، فمثلا سافر بخيالك إلى عالم آخر، أو تخيّل نفسك كبسولة فضاء تجوب الكون، ولقد كان اينشتاين يقول: يمكنني أن اركب الفوتون بينما يمر بسرعة الضوء.

ماذا عن دورك كأب أو أم؟ ما الذي تستطيع أن تحفز به إبداع أطفالك؟

هنالك بعض النصائح في الكتاب والتي من المهم أن يطلع عليها الوالدين، وهي تشمل التالي:

إطفاء التلفاز، فالطفل يجب أن يكون نشيطا ومكتشفا ومشاكسا بالضرورة، فالطفل يكون في حالة بحث وتساءل دائمين عن الأشياء من حوله، وهذه السلوكيات لا تدوم طويلا، وتساعد الأطفال على تكوين المفاهيم العامة مثل المكان، الوزن، الجاذبية وغيرها.

إذا كان ولا بد من مشاهدة التلفاز، وجّه مشاهدات أطفالك لأشياء تكون مدخل لمفاهيم جديدة، فاجعلهم يتابعون اشرطة علمية شيقة، او يتابعون سلسلة اينشتاين الصغير.


النقطة الثانية: القراءة المشتركة، اخلق عادةَ أن تقرأ لطفلك يومياً، بل واجعله جزءً مهم من مرحلة الذهاب إلى السرير، دع طفلك يسألك أسئلة، ودعه يشاركك في التساؤل، فقل له مثلا أين الفأر؟ وأين القمر في الصورة؟ اطرح عليه أسئلة مثل أن تقول، كم عدد رجال الإطفاء في الصورة؟

إن الحاجة إلى القراءة بكفاءة واستيعاب تمتد مع طفلك طول حياته.


النقطة الثالثة: تشجيع الاختلاف، ويعني ذلك خلط الألعاب لتحفيز الدماغ بطرق متنوعة، فمثلا علّمه أن يهتم بالموسيقى، وأن يلعب بمكعبات الليغو، علمه حل الألغاز وفن الرسم، ولا تنسى نصيب الفنون والعلوم من هذا كله. فالتنوع في الألعاب يزيد من فرصة انشاء ترابطات جديدة وتجعله أكثر قابلية لتخيل أشكال أكثر ابداعا.


النقطة الرابعة: حاول أن تثير فضوله، وهذا يحتاج لأسئلة مفتوحة مثل: ماذا يحدث لو اشعلنا المصباح؟ ثم اسال بعد ذلك عن ما هو الالكترون؟ وما لذي يجعله ينتشر؟ وهكذا ...

إذا لم تعرف الإجابة، ابحث معه في الانترنت او الكتب حول الموضوع


النقطة الخامسة: حاول أن تزيد اهتمامه بالموسيقى، فقد أظهرت دراسات التصوير الدماغي الوظيفي، أن معالجة الموسيقى وانتاجها يعتمد على أجزاء من شبكات اللغة.

فمثلا اجعله يستمع إليها أثناء اللعب، أو إن شئت عن معه. ويُفضل في هذه المرحلة عرض الموسيقى الكلاسيكية عليه، لأنها تحتوي على هيئات ومزايا موسيقية معقده، يدركها الأطفال حدسيا قبل أن يتمكنوا من استيعابها تحليلا.


في النهاية أقول: إن جوهر الإبداع يكمن في القدرة على التصور والتفكير بطرق اصيلة وجديدة، إذ يمكن أن تظهر بذور الإبداع طبيعيا، ولكن التنشئة تساعد على النمو والإنبات والنضوج، فنحن ندرك أنه لا يمكن أن تتغير الطبيعة بسهولة، ولكن نستطيع وضع التنشئة تحت سيطرتنا، فالدماغ يتكون من تشعبات كالحديقة تماما، ونحتاج أن نشذبها مرة بعد أخرى.

وفي الأخير يجب أن نبدأ في فهم الفترات الحرجة، وإدخال الفنون والعلوم في وقت أبكر.


وفي الختام اشكركم على حسن الاستماع، واطلب منكم الاشتراك وتقييم وكتابت التعليقات في الايتونز وعلى برامج البودكاست ليصل لأكبر قدر من الناس.

وهناك إضافة جديدة للبودكاست، فتسطيع الآن أن تقرأ الحلقات نصيا على موقعي الخاص في الانترنت سأضع رابط موقعي في صندوق الوصف وهو www.drnaif91.com ، ستجد فيه كل ما يخص البودكاست وغيره.

إلى هنا انتهي،

كان معكم نايف ناجي، اترككم بخير









17 views0 comments
bottom of page