top of page
  • Writer's pictureنايف ناجي

الحلقة السادس عشرة: على سبيل الموسيقى.


أهلا بكم جميعا، اليوم ستكون الحلقة ممتعة في رحاب الموسيقى، فسنشاهد قصص غريبة رصدها عالم الأعصاب أولفير ساكس، فالموسيقى هي من تستحث الذكريات لتُفصح عن نفسها، هي من تجعل الإنسان يعيش الحب والحزن وكل شعور أو حدث، إن الموسيقى هي ذلك الشيء المفهوم والغير مفهوم، اللغة التي بدون حروف ويفهمها الجميع.

موضوع الموسيقى جَذب اهتمام الكثيرين، والعلماء والفلاسفة لم تَفْلت أفكارهم عن هذا الموضوع.

فكتب الفيلسوف شوبنهاور قائلا: إن عمق الموسيقى الذي يفوق الوصف هو سهل الفهم جدا لكن تفسيره متعذر للغاية، وهذا بسبب حقيقة أن الموسيقى توّلد كل عواطف وجودنا الأعمق .... إلى أن قال: الموسيقى تُظهر جوهر الحياة وجوهر أحداثها، ولكن ليس الحياة نفسها ولا أحداثها.

وكتب نيتشه عنها فقال: إننا نستمع للموسيقى بعضلاتنا، فنحن لا إراديا نقوم بحركات لا إرادية توقيعية وفقاً للنغمة حتى ولو لم نكن واعيين.

ويقول ويليام جميس: قد لا يكون هناك فائدة تطويرية للموسيقى إلا أنها قد دخلت من السلالم الخلفية.


من النقاط التي يجب أن ندركها هو أن الدماغ لا يوجد به مركز موسيقى وحيد، وإنما هناك شبكات متناثرة في كامل الدماغ.

والموسيقى ليست فقط ترفا كما يفهم الكثير، لأننا سنشاهد كيف أنها استخدمت لعلاج بعض الأمراض العصبية.

عموما رحلتنا ستكون مع الكتاب الجميل

musicophilia: Tales of music and the brain

نزعة إلى الموسيقى، حكايات الموسيقى والدماغ

( فاصل )

مطاردون بالموسيقى هذا هو عنوان الباب الأول من الكتاب

في أحد القصص ذُكر أن جراح للعظام يدعى سيكوريا في مدينة صغيرة شمال ولاية نيويورك، بينما هو ذاهب لإجراء مكالمة من هاتف عمومي في الشارع، انتهى من الحديث مع أمه ثم وقف بجانب كبينة الاتصال، وفجأةً صعقه البرق ، هذا البرق تسلل عن طريق كبينة الاتصال.

فيقول: أن وميضا خرج من الهاتف وضربه في وجهه ثم طار إلى الوراء.

في هذه اللحظات أيضا شاهد نفسه من الخارج، كأنه خرج من جسده بعيداً والناس ملتفين حوله وينعشونه حتى عاد إلى جسده.

بعد هذه الحادثة جميع الفحوصات الطبية من تخطيط للدماغ وأشعة الرنين المغناطيسي لم تظهر شيء غير طبيعي.

ولكن الغريب أنه وبعد فترة من الحادثة، انتاب سيكوريا رغبة جامحه لسماع البيانو، مما أجبره لشراء العديد من التسجيلات وبدأ يستمع للموسيقى بشكل لافت.

لم يقف شغفه عند هذا الحد، بل بدأ يسمع موسيقى في رأسه ويريد أن يكتبها، ولكن لسوء الحظ لم يكن يعرف كيف تُكتب الموسيقى.

بعد ذلك اقتنى بيانو ليعزف عليه بشراهة، فهو يبدأ العزف من الساعة الرابعة فجرا إلى أن يذهب للعمل، وبعد أن يعود من عمله يعزف حتى المساء.

تدرج في تعلمه بشغف كبير حتى وصل إلى عزف البيانو أمام الجمهور بثقة ومهارة عالية.

هذه الحالة لم تكن عند سيكوريا فقط بل هناك أمثله أخرى عرضها الكتاب لأشخاص أصبحت لديهم نزعة موسيقية مفاجئة.

أما بالنسبة لما حدث له من الخروج من جسده، فالتفسير العلمي هو كالتالي: هناك ارتباط وظيفي في هذه مثل هذه اللحظات بين الفص الصدغي والجداري، مما يجعل الإنسان يشعر أنه خرج من جسده، وهناك تجارب محاكاة أقيمت وشعر الشخص بنفس الشعور.

لكن أوليفر – كاتب الكتاب – يحاول تفسير هذه النزعة المفاجئة للموسيقى فيقول: من الممكن أنه بعد الصعقة التي حدثت له، انخفض معدل الأوكسجين داخل الدماغ لدقيقة أو أكثر، وهذا الضرر كان واضحا خلال الأسبوعين الأولين، حيث أن ذاكرته تشتت لفترة بسيطة، والسؤال هنا، هل الدماغ أعاد تشكيل نفسه، فأصبح دماغ سيكوريا بعد الحادثة دماغ بتركيبة أخرى حولته إلى إنسان موسيقي، بل وروحاني.

وهناك أيضا تفسير آخر وهو أنه حَدث تغيّر ما نتج عنه صرع، هذا الصرع موجود في الفص الصدغي Temporal lobe والصرع في هذه المنطقة يُنتج أحيانا عشق لا منتهي للموسيقى.

في حالة مرضية أخرى، لم تحدث لسيكوريا ولكن نتج فيها شيء مشابه ، وهو ما يعرف بالخرف الجبهي الصدغي Fronto-temporal dementia ، ففي عام 1984 وصف دانييل جاكوم مريضا أصيب بجلطة دماغية أتلفت فيها هذه المناطق وأصبح لديه ما يسمى بفرط الموسيقى hypermusia .

الكتاب يذكر أيضا قصة تُفهمنا أن من أعراض الصرع الذي يحدث في الفص الصدغي هو حدوث لنوبات يسمع فيها الشخص موسيقى.

وفي حالات معينة إذا استؤصل التلف الذي يسبب هذه النوبات الموسيقية يقف الشخص عن سماعها.

يكتب إريك أحد المصابين بهذا النوع من الصرع، وهو موسيقي ويفهم فيها قائلا: (في حين أنني عاجز عن أن أحدد بالضبط الأغنية أو الأغاني التي يُحتمل أنني أسمعها خلال هذه النوبات النسميّة، إلا أنني أعرف أنها تبدو مألوفة بالنسبة إليّ، في الحقيقة أنها مألوفة جداً لدرجة أنني أكون أحيانا غير متأكد إذا ما كانت هذه الأغاني صادرة من ستيريو قريب مني أو من دماغي. وعندما أصبح مدركا لذلك الارتباك الغريب ولكن المألوف وأدرك أنني في الحقيقة أمر بنوبة، أجد أنني أحاول ألا أكتشف ما يمكن أن تكونه هذه الموسيقى، وبالفعل إذا كان في إمكاني أن أدرسها بإمعان مثل قصيدة أو قطعة موسيقية،سأفعل، ولكن ربما أنا خائف لا شعوريا من أنني إذا أعرتها كثيرا من الإنتباه، فقد لا أكون قادرا على الهروب من الأغنية، مثل الرمال المتحركة أو التنويم المغناطيسي).


في الفصل الأول يتحدث أوليفر أيضاً عن الخوف من الموسيقى.

فكما أن الموسيقى لدى الكثيرين منعشة، فهي العكس لبعض مرضى الصرع، فقد وجدوا أن هناك ما يسمى بصرع موسيقي المنشأ.

بحيث أن الشخص عندما يسمع الموسيقى تبدأ معه نوبة الصرع.

الغريب في الموضوع أن كل شخص منهم يُحفز صَرعه موسيقى بنوع معين أو ترددات معينة.

المُحير في الأمر هو أنه ليس من الضروري أن تكون النوبات الموسيقية المنشأ مدمرة، فيمكن أن تكون أحيانا سارّة أو محفزة، فالبعض يصل إلى حالة من اللذة التي لا تُوصف.

سبب هذا النوبات في معضها هو شذوذ أو تغيرات في الفص الصدغي والذي يمكن تمييزه بتخطيط الدماغ ال EEG أو التصوير الدماغي.

لذلك قد يكون الحل في بعض الحالات هو أن يتم استئصال المنطقة المشوهة.

وهذا الحل عملي جداً لأنه فعليا يخفف بشكل كبير هذا النوع من الصرع لينعم صاحبة بحياة طبيعية.

(موسيقى)


موسيقى على متن الدماغ، هذا هو عنوان للتخيلات الموسيقية.

يحدث للكثير من الناس وخصوصا الموسيقيين، أن يعزفون اوكسترا كامله في رؤوسهم دون الحاجة إلى سماعها من الراديو.

وتعدّا الأمر أنهم لا يستخدمون الآلات لتأليف الألحان الخاص بهم بل يفعلون ذلك في أذهانهم.

فبتهوفن بعد أن أُصيب بالصمم، استمر في تأليف الألحان حتى بعد فقده لحاسة السمع، ويذكر بعض النقاد أن ألحانه في تلك المرحلة كانت من أعذب ما قدمه، ولعل ذلك بسبب أن فقدان السمع جعله يعيش حياة كاملة داخل ذهنه دون أصوات من الخارج تعكر صفو هذا المبدع.

أظهرت أيضا الدراسات التي أجراها روبرت زاتو وزملاؤه مستخدمين تقنيات تصوير الدماغ المتطورة، أن تخيل الموسيقى يمكن أن ينشط بالفعل القشرة السمعية بقدر ما يفعل الاستماع للموسيقى.

ومن القصص المضحكة والتي تجعلك في حالة تعجب، أن شخصا يدعى جيروم وضع أسطوانة لموزرات المفضلة لديه على القرص الدوار واستمع لها بسرور كبير، بعد أن انتهى الجزء الأول، ذهب ليقلب القرص ليستمع للجزء الثاني، ليكتشف أنه لم يشغلها أبدا.

تخيّل أن كل هذه الموسيقى التي كان يسمعها، كانت فقط في ذهنه ولم يدرك بنفسه ذلك إلى في آخر المطاف.

وكما يبدو، أن معظم التخيلات الموسيقية لا توجه او تستقدم بشكل إرادي، ولكنها ترد إلينا عفويا.

البعض يجد أن مثل هذه التخيلات التي ترد علينا بشكل مفاجئ دون استئذان، قد تكون مثل المحلل النفسي للحياة العاطفية السرية التي بداخلنا، فيذكر أولفير أنه وفي زيارة لأحد المؤلفين الموسيقيين، استأذنه المؤلف للذهاب إلى الحمام، وعندما عاد أخبر أوليفر أنه سمع أغنية شائعة قبل أربعين سنة كانت بعنوان ( فقط خمس دقائق بعد)، فَهِم أوليفر أن المؤلف وبدون قصد منه، يلمح بعقله اللاوعي أنه يريد أن ينصرف بعد خمس دقائق.

كذلك نحن، قد تسطو علينا أغنية مفاجأة في أذهاننا في موقف معين وفي مكان معين، وكأنها تخبرنا أن شيئاً من اللاوعي، يحاول دائماً أن يقرأ ما بين السطور.

كما أن التخيلات الموسيقية سارّه إلا أن هناك ما يسمى بالديدان الدماغية.

وهي العكس تمام، فالديدان الدماغية مزعجة جداً جداً؟

وهي ببساطة أن يتكرر جزء معين من الموسيقى مراراً وتكراراً دون توقف ، ويستمر ذلك أحياناً لأيام.

طبعا مقطوعة الأغنية التي يسمعها الشخص قد لا تمثل ذوقه نهائياً، تكون شيئاً بغيضا بالنسبة له، ولكنها لا تستأذنه فقط تعيد نفسها.

يقول كارول كينغ: تُعزف الموسيقى في رأسي مراراً وتكراراً، ليست ثمة نهاية.

هناك حلول مُجربة وهي إن أصبت بدودة دماغية، أن تغني أو تستمع للأغنية حتى نهايتها، بحيث أنها لن تصبح جزءاً يدور في الدماغ بلا توقف، أو فلتحاول أن تزيحها بغناء للحن آخر.

طبعاً قد يحفز بدأ هذه الحالة إشارة أو ضجيج، تجعلها تثور مرة أخرى.

وهذه الصفة تشابه أعراض الصرع، والذي يحدث بنوبة صغيرة فجائية الحدوث، ثوران وتشنج، ومن ثم همود، ولكن استعدا دائم للاشتعال مجدداً.

ويشير الكاتب بذكاء: أن هناك ميول متأصل للتكرار في الموسيقى نفسها، فالشعر والقصص الغنائية مليئة بالتكرار، ونحن ننجذب لذلك، لأننا نريد المحفز والمكافأة مرة بعد أخرى، ويجب أن لا نتذمر أذا انحرف أحيانا ميزان هذا التكرار عن موضعه وأصبحت حساسيتنا الموسيقية غير حصينة.

ذكرت أيضا أحد من راسل الدكتور أولفير قصة غريبة حدث لها: فعندما قررت أن تمكث في الغابة لمدة 6 أيام متتالية دون سماع أي موسيقى، بدأت عفويا بترديد الأصوات التي تسمعها حولها، وخاصة أصوات الطيور، بدت هذه الحياة البرية عالقة في رأسها، وتقول: ربما كان في إمكان الإنسان المتنقل في الأزمان البدائية أن يميز المناطق المؤلفة لديه بإضافة ذاكرته الخاصة بالأصوات إلى الدلائل البصرية التي كانت تخبره أين كان.. وبتكرار تلك الأصوات كان محتملا أن يودعها في الذاكرة طويلة الأمد.

في نهاية المطاف نحن في هذا العصر محاطون بقصف موسيقي متواصل شئنا أم أبينا، لتكون النتيجة ديديدان دماغية لا تقف وعلى نحو مزعج.

ففي السابق لم يكن الوصول إلى الموسيقى ببساطة عصرنا، فأنت لديك هاتف محمول في يدك وفي كل مكان تسمع الموسيقى، إلى أن أصبح الدماغ لا يقف، فهو حساس للموسيقى عصبيا بشكل لا يقاوم!


بقي في هذا الفصل الأول (الهلوسات الموسيقية)

وهي في الغالب تحدث للمصابين بالصمم وفقدان السمع.

تحدث هذه الهلوسات – وفي الغالب دون دليل مادي يخبرنا ما لذي يحدث-، ففي أحد الحالات عندما فحص أوليفر مريضا وخطط دماغه، ثم صوره بالرنين المغناطسي، لم يجد أي شي يشير إلى وجود خلل ما.

وهذا هو ما يُعرف بهلوسات الإطلاق: ويعني أن الصمم (فقدان السمع)، يجعل الجزء السمعي من الدماغ، والمحروم من المدخلات الصوتية المعتادة، بتوليد نشاط عفوي خاص به، وقد اتخذ هذا النشاط شكل هلوسات موسيقية، وهي على الأغلب ذكريات موسيقية من الحياة السابقة.

هذا النوع من الهلوسات يعتبر حقيقي وفسيولوجي وليس مرتبطا بأمراض نفسية أو غيره والسبب كما ذكرت أن الدماغ يحتاج دائماً إلى تغذية سمعية تجعله يرضى.

لذلك هناك حالات عانت من الهلوسات بسبب فقدان السمع، ولكن بمجرد الخضوع لعملية جراحية يتم فيها غرس قوقعية لاستعادة السمع، تختفي كل هذه الهلوسات تدريجيا.

طبعا الهلوسات ليس من الضروري أن ترتبط بفقدان السمع، ولكنها بشكل واضح ترافق كبار السن الذين بدأ سمعهم بالتناقص تدريجيا.


قد لا يكون بإمكان الشخص إيقاف هذه الهلوسات، ولكن هناك من استطاع بقوة الإرادة أن يتلاعب بها، فيكتب مراسل قائلا: يمكنني أن أغير الموسيقى ساعة أشاء بمجرد التفكير في الفكرة الرئيسية لمؤلف موسيقي آخر.

لذلك يختلف تعامل الأفراد معها، فمنهم من يجد أنها تعذبه ومنهم من يجد أنها هلوسات هادئة جدا ويسهل نبذها.

تأتي أيضا الهلوسات عند من أصيب بسكة دماغية أو تشوهات الدماغية، هذا النوع من الهلوسات قد يبد بالاضمحلال تدريجيا مع العلاج، ولكن في غالبيته يكون متواصل وثابت.

والفرق بين التخيلات الموسيقية والهلوسات، هو أن الهلوسات تأتي بشكل موسيقى عالي كما لو كانت موسيقى فعلية.


) موسيقى)


مدى من الموسيقية، هذا هو عنوان الباب الثاني.

هناك ما يعرف بالأذن الموسيقية أو مَلَكَة النغمة المطلقة، وهي تعنى امتلاك المرء لإدراك حسي ودقيق لدرجة النغمة والإيقاع.

الغريب في الموضوع أن امتلاك الأذن الموسيقية لا تعني أن الشخص حتما سيكون عازف جيد، وعلى العكس قد يجتهد أحدهم لتعلم الموسيقى ولكن أذنه الموسيقية ضعيفة، وضعف الأذن الموسيقية سببه أن أدمغتهم لا تقوم بخدمتهم بشكل كلي.

فيقول الكاتب سترافنسكي في كتابه الأحاسيس الشعرية للموسيقى: (أن بتهوفن كدس إرثا موسيقيا يبدو أنه نتيجة فقط لجهد عنيد، و ورث بلّيني اللحن من دون حتى أن يطلبه، كما لو أن السماء قالت له: سأعطيك الشيء الوحيد الذي يفتقر إليه بتهوفن)

في بحث علمي باستخدم الرنين المغناطيسي MRI من جامعة هارفارد وجدوا أن الجسم الثفني ال corpus collasum والذي يعتبر مثل الجسر بين فصي الدماغ، أنه أكبر لدى الموسيقيين المحترفين، وأن جزءا من المسطح الصدغي Planum temporale يكون مكبرا بشكل لا متماثل لدى الموسيقيين ذوي درجة النغم المطلقة، وتابع علماء اخرون ليُظهرون أحجاما متزايدة من المادة السنجابية في المناطقة الحركية والسمعية والبصرية إلخ.

وفي هذا البحث اقترح أن جينات الشخص وفطرته هي من تحدد ما إن كان سيملك نغمة مطلقة أو لا.

فقد تلاحظ أن بعض العائلات لديها مجملا أشخاص ذوو نغمة مطلقة وعائلات أخرى تفتقد هذا الحس.

وهناك أيضا في هذا السياق ما يدعى بالعمى الموسيقي، وهذا العمى يكون نوعين حسي و أدائي، ومعنى كلمة (العمى) هو أن الشخص فعليا لا يدرك الإيقاع مثلا أو النغمات.

مثال على ذلك تشي جيوفارا كان أصم إيقاعيا إلى حد كبير، فكان أحيان يُرى يرقص المامبو بينما الفرقة الموسيقية تعزف التانغو، وكأنّ جيوفارا لا يميز بين درجات النغم وفهمها بالشكل الطبيعي.

مشكلة الإيقاعات هذه تمتد أيضا بين الناس الطبيعين، فكل ثقافة معينة لها إيقاعات موسيقية خاصة بها، وقد تجد صعوبة أحيانا في إيقاعات أجنية، أذنك ليست معتادة عليها.

بالنسبة للصمم النغمي، فهو موجود بنسبة 5% من الناس، وهؤلاء الناس ينحرفون عن المقام الموسيقي الصحيح دون إدراك ذلك، ويكونون عاجزين عن تمييز الغناء غير المتناغم.

طبعا بعيدا عن هذا التشوه، فهؤلاء الفئة يستمتعون بالموسيقى بلا شك، لأن هذا العمى أو الصمم يكون جزئي، وهناك عمى موسيقي مطلق وهو مسألة أخرى لأن النغمات هنا لا تُميّز على أنها نغمات، أين أن الموسيقى لا تُدرك على أنها موسيقى.

يذكر أوليفر في أحد القصص امراة في عمر السادسة والسبعين، لم تسمع الموسيقى أبدا، بالرغم أنها تميز وتتذكر الكلام والأصوات الأخرى، ولكن الغريب في حالتها أنها عندما كانت في روضة الأطفال، طُلب منهم أن يغّنوا أسماءهم، ولكنها لم تستطيع القيام بذلك ولم تعرف أصلا ما المقصود بالغناء، في نفس الدرجة لم تستطع أن تفهم ما يفعله الأطفال.

وهي تذكر أنه لم يكن لديها أي إحساس سوى الضجيج.

الغريب أنها نشأت في أسرة موسيقية جداً، ودائما ما كانت تتعجب أمها منها وتقول: لماذا لا تحبين الموسيقى كما تحبها الفتيات الأخريات؟

وإجابتها على هذا النوع من التساؤل هو: إذا كنتم في مطبخي، وقذفتم كل القدور والمقالي على الأرض، فهذا ما أسمعه!

فعلا حالة غريبة، والحقيقة أن معظم الناس الذين يعانون من عمى موسيقي خَلقي هم طبيعيون في إدراكات وأنماط كلامهم، بينما عاجزون للغاية في ادراكهم الحسي الموسيقي.!

تعلّمت هذه المرأة الرقص النقري كفتاة صغيرة، وكانت بارعة فيه، وهذا دليل أن لديها حس إيقاع جيد في جسمها، ولكن ما إن ترافق الرقص مع موسيقي فسيعرقلها ويربكها.

يُقسم العمى الموسيقي عملياً إلى مشكلة في تمييز الألحان، والمشكلة الأخرى في إدراك الإيقاع والفواصل الزمنية.

يتلازم ضعف تمييز الألحان عادة مع آفات نصف الدماغ الأيمن، ولكن تمثيل الإيقاع يكون أكثر انتشارا فهو متضمن في النصف الايسر من الدماغ ومعه المخيخ والعقد القاعدية.

وفي آخر بحث عام 2006 وجدوا أيضا أن الذين يعانون من عمى موسيقي خلقي يكون النمو لمنطقة من المادة البيضاء في الجهة الجبهية اليمنى ناقص لديهم، وهذا المنطقة معروفة باشتراكها في ترميز درجة النغم الموسيقي والنعم اللحني.


هناك أيضا خلل أخر يسمى بخلل الجرْس وهو أن الموسيقى تتحول إلى صوت أخر، فيحكي رجل أن الموسيقى تتحول بالنسبة إليه إلى صوت صرير إطارات سيارة.

قد تتساءل وتقول طيب كيف يسمع مثل هذا الرجل صوت الإنسان؟

الإجابة كانت في بحث علمي وجدوا فيه أن مناطق انتقائية لصوت الإنسان في القشرة السمعية منفصلة تشريحيا عن المناطق المشتركة في إدراك الجرْس الموسيقي.


هناك أيضا ما يسمى بصمم اللحن وهو أن الشخص يسمع تتابعا من النغمات الموسيقية ولكن هذا التتابع يبدو عشوائياً، ولا هدف وراءه، وليس له معنى موسيقي.

ببساطة هؤلاء الناس يسمعون اللحن مشرّحا دون القدرة على ربط تتابع النغمات للوصول للحن جميل.

والخلل في مثل هذه الحالات أن الدماغ على عدة مستويات يفشل تماما في دمج الموسيقي فيختل الفهم.


طيب، دعونا نعود لنفصّل أكثر في معنى درجة النغم المطلقة، يستطيع هؤلاء الناس أصحاب النغم المطلقة أن يحددوا فوراً درجة النغم لأي نغمة موسيقية، من دون تفكير أو مقارنة بنغمة قياسية خارجة، أي أنه لا يحتاج إلى أي شيء يعينه على تحديدها.

ولديهم قدرة على تعيين سبعين نغمة فما فوق في المنطقة الوسطى من النطاق السمعي.

أحد الأمثلة هو أن شخص بدأ يسمع الأشياء من حوله بدرجات نغمية متمايزة، ولكي أكون صادقا معكم فأنا لست صاحب خلفية موسيقية ولا أعرف أسماء النغمات ولكن سأنقل لكم ما ذُكر.

يقول هذا الشخص أن السماء ترعد في G وأن الريح تصفر في D وأن ساعة الحائط تضرب في B ثانوية.

طبعا بالنسبة للموسيقيين فإن هذا التمييز الدقيق يبدو خارق للطبيعة، وكأنها تشبة حاسة أخرى ، حاسة لا يمكن أن نأمل أبدا في امتلاكها.

فأصحاب درجة النغم المطلقة يبدو كل مفتاح، وكل نغمة، مختلفين نوعيا، يملك كل منهم نكهة خاصة وشعور خاص، والأغرب أنهم ما يقارنون النغمة باللون، فهم مثلا يسمعون حدة G بنفس التلقائية التي نرى بها اللون الأزرق.

طبعا يقدر وجودهم بشخص من كل عشرة الآلاف شخص .

يرى البعض أن هناك ارتباط لافت بين درجة النغم المطلقة والمصابين بالعمى مبكراً، فتقدّر بعض الدراسات أن 50% تقريبا من الأطفال المولودين عمياناً أو من أصيب بالعمى في وقت مبكر، يمتلكون درجة نغم مطلقة!

أيضا في هذا السياق ففي بحث أجري عام 2006 حاول أن يفهموا علاقة اللغة بهذه الميزة، ليلاحظون أن المتكلمين باللغة الصينية والفيتنامية يُظهرون درجة نغم مطلقة دقيقيه جدا، والسبب أن هذه اللغات تُعتبر لغة نغمية، حيث أن طريقة الكلام عندهم تشبه النغمات صعوداً وهبوطاً، بينما المتحدثين باللغات اللا نغمية كالانقليزية يكون تمييزهم أقل.

وتصوير الرنين المغناطيسي الوظيفي أوضح أن أصحاب النغمة المطلقة مختلفين تماما، فلو طُلب من شخص ذو درجة نغم مطلقة أن يُسمي نغمات أو فواصل، فإن التصوير يُظهر نشاطا بؤريا في مناطق ارتباطية معينة من القشرة الجبهية، أنا أولائك أصحاب درجة النغم النسبية، فإذن هذه المنطقة تنشط فقك عن تسمية الفواصل وليس النغمات!

يقترح العلماء أيضا أننا نولد ولدينا درجة نغمة مطلقة، ولكنها تصبح سيئة ومن ثم تفقد، ويقولون أن اللغات هي من تكبح هذه الميزة عند البشر إلا في حالات متميزة.

ويقترحون أيضا أن درجة النغم المطلقة هي المنشأ للكلام والموسيقى على حد سوا.

فيقول ستيفن ميثن في كتابة النياندرتاليون المغنون: منشأ الموسيقى واللغة والعقل والجسد ، كلمة نياندرتال تعني الإنسان القديم، يقول فيه: أن للموسيقى واللغة أصلا مشتركاُ، وأن نوعا من اتحاد الموسيقى الأولية واللغة الأولية كان مميزا للعقل النياندرتالي، ويٌطلق عليها اسم لغة المعاني الغنائية، فهم كان يهمهمون من دون كلمات فردية كما نفهمها، طبعا يهمهمون يعني يقولن همم وهي لغة شمولية تقليدية موسيقية متعددة الأشكال.

مع مرور الوقت وتطور اللغة بدأت درجة النغم المثالية في الاختفاء وظهرت الكلمات المتقطعة محل هذه اللغة الغنائية.

عموما حتى الآن الأدلة ليست قوية على هذه الفرضية، ولكن مثيرة للاهتمام.


موسيقى

لماذا لدينا أذنان؟

قد لا يمر هذا السؤال على بال أحدنا، أو قد يمر ولكن لا يجد إجابة جيدة، ولكن أوليفر لم يمر هذا السؤال علي بسلام.

طبيب نرويجي يرسل إليه قائلا أنه بعد أن فقد سمعه كليا في الأذنى اليمنى بسبب عملية جراحية، أصبحت الموسيقى لا رنينيه على نحو بائس، فهو يقول أن إدراكه للموسيقى وخصائصها لم تتغير، ولكن عند حظورة لحفلة موسيقية، شعر بأن الموسيقى بلا فضاء، كما وصف لا رنينية.

ويذكر أن للأصداء دورا مهم في إيصال العاطفة وإحداث صوت سار إجمالاً، وهذا هو سبب أن قاعات الحفلات الموسيقية كبيرة والصوت فيه يظهر مختلف وآسر، فهو فقد القدرة على السماع بشكل مجسّم، فالموسيقى التي يسمعها تفتقر إلى الرحابة، والحجم، والغنى والرنين .... لأنه يسمع فقط بأذن واحده أو ببُعد واحد!

وكأن السماع بأذن واحد يفقدك ثلاثية الأبعاد للصوت.

وهناك عامل مهم جداً وهو تصميم قاعات الحفلات، فإذا كان التصميم سيء فقد تُقتل الأصوات وتبدو الموسيقى ميتة، لذلك هناك ما يسمى بهندسة الصوت كونه علم وفن مستقل بذاته وله أثره.

وجود أذنين لا سيما عند المفترسات من الحيوانات مثلا تشكل خريطة سمعية لما يدور حولها وخصوصا البوم مثلا.

وهناك مصطلح لهذا الوصف يسممى بالتجسيم السمعي (ستيروفونيا).

يُعلق أحد المؤلفين الموسقيين والمختص بالموسيقى وعلم الأعراق البشرية جارون لانيير قائلا : أن هناك حركات لا تتعدى بضع مليميترات تعتبر مجهرية تحدث للرأس، تُنتجد لا اراديا في أجزاء من الثانية تحدث للإنسان الطبيعي لتعيين الصوت ومكانه بدقه عاليه)

ولعلي هنا سأذكر وصف جميل عن السبب الجوهري لوجود أذنين فيقول الناقد الانقليزي نيك كولمان:

اعتدت أن اسمع أبنيةَ متى ما سمعت الموسيقى، أشكالاً ثلاثية الأبعاد من المادة المعمارية والوتر، لم أر هذه الأبنية بطريقة الحس المتزامن الكلاسيكية بقدر ما أحسست بها في مركز الاحساسات في دماغي.

كانت لهذه الأشكال أرضيات، وجدران، وسقوف، ونوافذ وأقبية، كانت تُظهر الحجم، كانت تٌبنى من سطوح متشابكة اعتمد بعضها على بعض من أحل التماسك، كانت الموسيقى دوماً بالنسبة إلي وعاء جميل ثلاثي الأبعاد، إناء، حقيقة بطريقتها مثل سقيفة كشّاف أو كاتدرائية أو سفينة، مع أفضية داخلية وخارجية فرعية التقسيم 194


نأت إلى النقاش حول النوابغ الموسيقيين والحديث عنهم، يقول أوليفر أن أول نابغ موسيقي التقاه كان متخلفا عقليا، فقد كان يعرف أكثر من ألفي أوبرا، لذلك لديه ذاكرة فونوغرافية عظيمة.

يُشير دارولد تريفيرت في كتابه (أناس استثنائيون) إلى أن أكثر من ثلث النوابغ الموسيقيين هم عميان أو يعانون من ضعف شديد في النظر، حتى أنهم استخدموا مصطلح غريب وهو (النابغ الأبله) ليُشار به إلى الأطفال البُله الذين يملكون قدرات خاصة ولافتة.

بالطبع ليس كل النوابغ متخلفين عقلياً ولكن غالبا ما يميلون إلى أن يكونون متوحدين.

السبب لهذا النبوغ في الموسيقى أن هناك نوع من تقوية لقدرات معينة تترافق مع ضعف أو تطور ضعيف في قدرات أخرى، وكأنه نوع من التعويض، فالطبيعي أنه عند تكوين الطفل في رحم أمه ينمو الفص الأيمن بسرعة وبشكل أكبر من النصف الأيسر، ولكن عند النوابغ يحدث خلل أثناء هذه العملية فيتضخم الفص الأيمن بشكل كبير ليظهر معه هذا النبوغ الملحوظ ويتيح للوظائف الإدراكية كالتميز في الموسيقى.

وهناك تجربة ملهمه قام بها العلماء في هذا المجال، فهم حاولوا أن يثبّطون الفص الصدغي الأيسر ليرون ما لذي سيحدث، وأنتجت هذه التجارب نتائج متواضعة ولكن موحية، فعندما ضبطنا الفص الصدغي الأيسر بالتنبيه المغناطيسي تحسنت مهارات مثل الرسم والحساب لبعض دقائق.

وعلى نفس الفهم ومن الغرابة بما كان، أن بعض الجلطات الدماغية قد تقود أحيانا إلى ظهور قدرات شبية بقدرات النبوغ، وكأن ذلك يؤيد أن تثبيط فص معين يرافقه تحرّر لفص آخر.

بعد ذلك يُناقش الكتاب الموسيقى والعمى، فيقول: أن عدداً كبيرا من المزماريين والقيثاريين كانوا يلقّبون بالعميان.

ففي الأغاني زنجية الأصل كانت تُضاف كلمة blues وتعني أعمى، ويعتبر لقب تشريف، مثل ليمون جيفرسون الأعمى، صبيان الاباما العميان.

والسؤال هنا لماذا العميان بالذات؟

لو فكرنا قليلا فإن حاسة البصر المفقودة، يُعوضها هؤلاء الفئة بعالم غني باللمس والصوت، كتعويض لهذا النقص.

فأكثر من ثلث القشرة الدماغية متعلقة بالرؤية، وإذا فقدت المدخلات البصرية فجأة، فقد تحدث إعادة تنظيم وتشكيل شاملة لخرائط القشر المخية، تترافق مع تطوير إحساسات متداخلة من جميع الأنواع.

ولعلي سأطلب منك أن تقوم بهذه التجربة، في المره القادمة التي ستستمع فيها للموسيقى أغمض عيناك، لترى أنك فعلياً تبدأ بالغرق داخل الموسيقى بشكل جميل وجذاب.

لذلك الشخص الأعمى والذي تقوّت لديه مناطق الاستماع يجد عالم كبير وفسيح داخل الموسيقى.

وفي دراسات متنوعة وجدوا أن 40 إلى 60 في المئة من الأطفال العميان يمتلكون درجة نغم مطلقة.

وفي تعبير لافت يقول أحد المراسلين: صُنعت الموسيقى للعميان.


(موسيقى)

هناك فئة من الناس عندما تتعلم أو تستمتع للمفاتيح الموسيقية، يكون لديها ارتباط حسي متزامن معها ومع الألوان أو الروائح.

ففي أحد القصص يقول المؤلف الموسيقي المعاصر مايكل تورك، أنع في أحد الأيام قال لمعلمته: أحب تلك القطعة الموسيقية الزرقاء.

لم تكن واثقة مما سمعته، فقالت له زرقاء؟

فرد عليها مايكل: نعم، القطعة في مفتاح ال D الكبير.. مفتاح D الكبير أزرق.

فأجابت معلمته: ليس بالنسبة لدي.

مايكل هذا كل مفتاح وكل تبديل يعتبره شيء متفرد بذاته وله لون مميز عن غيره.

هذه الحالة تتشابه مع حالات خارجة عن الموسيقى فبعض الناس لديه مثلا ان يوم الاثنين أخضر، والثلاثاء أصفر والأربعاء أحمر وهكذا.

وسبب مثل هذه الحالات هو أن هناك تنشيط مشترك لمنطقتين حسيتين أو أكثر من القشرة المخية في البشر ذوي الحس المتزامن وهذا بالضبط ما ظهر للعلماء عندما استخدموا تقنيات التصوير الدماغي الوظيفي.

وفي هذا السياق وضع عالم الأعصاب الشهير راماشندران اختبار يبيّن أصحاب هذه الحالة، حيث طبع خليطاً من 2 و 5 متشابهة الشكل مطبوعة باللون الأسود، ولا يستطيع قراءة ذلك إلا الشخص صاحب الحس المتزامن بين العدد واللون، أما الطبيعيون فلن يستطيعون قراءتها.

والمُقترح عن السبب خلف التزامن الحسي هو أن الملاحظات السلوكية للأطفال وضحت أن المواليد الجدد حواسهم لا تكون متمايزة بشكل جيد وبدلا من ذلك فهناك تشابك فوضوي حسي متزامن ولكن مع التقدم في العمر تبدأ الإحساسات في التمايز عن بعضها البعض والانفصال، إلا عند قلة من الناس والذي لم تنفصل هذه الاحساسات مما يجعلهم ذوي إحساس متزامن مشترك.

سننتقل الآن إلى موضوع آخر في الكتاب يتحدث عن الموسيقى وفقدان الذاكرة.

يحدث للكثيرين فقدان الذاكرة ولا يستطيعون استعادة الذكريات، ولكن هناك حالات أثبتت أن الموسيقى عالم آخر يخترق عالم النسيان، ففي أحد القصص ذكر أوليفر أن شخصاً يدعى كلايف أًصيب بالتهاب دماغي مدمر أثر على أجزاء من دماغه متعلقة بالذاكرة فلم يعد يعرف أحداً عدا زوجته فقط، وكان عاجزا عن الاحتفاظ بأي انطباع لأي شيء لأكثر من طرفة عين، وكل من حوله يعتبرون غرباء يتعرف عليهم في كل مرة، والغريب هو أنك عندما تسأله مثلا هل تعرف موسيقى باخ، يرد عليك قائلا: أنا لم أعزف أيا منها قبل، ولكن عندما تضع أمامه البيانو تجده يعزف بشكل لافت وبديع، بل وحتى يترجّل في الأداء.

طبعا نحن نعرف أن الذاكرة الإجرائية تكون منفصلة عن الذاكرة الصريحة، فعزف الموسيقى كان يتم في ذاكرته الإجرائية التي لم تتضرر.

وتمميزه لزوجته كان بسبب أنها ذاكرة عاطفية تكون أعمق أنواع الذاكرة وأكثرها غموضاً.

وتظل الموسيقى بالرغم من فقدان الشخص ذاكرة صريحة ترصد احداث الشخص وتجاربه ومن يعرف، إلا أن عناك ذاكرة ضمنية وعاطفية، فبالرغم من عدم احتفاظ المرء بأي ذكريات صريحة (ما أسماه فرويد بفقدان الذاكرة الطفولية) إلا أن الذكريات أو الارتباطات العميقة في التشكل في الجهاز الخوفي ومناطق أخرى تمثل العاطفة، وقد تحدد هذه الذكريات العاطفية سلوك المرء مدى حياته.

كان بإمكان كلايف كما تذكر زوجته أن يجلس أمام الأورغن ويعزف بكلتا يديه على لوحة المفاتيح، مغيرا درجة النغم، فكان فجأة لدى هذا الزوجين مكان يجتمعان في ويبتدعا عالمهما الخاص في الموسيقي، في حين أنها فقدت الأمل في أن تتعامل مع كلايف الذي عرفته إلا أنها أدركت أن شخصيته تعود عندما يعزف.

ويقول فكتور زوكر كاندل وهو فيلسوف في الموسيقى: (سماع لحن هو سماع مع اللحن، هو حتى حالة لسماع لحن بحيث إن النغمة الموجودة في اللحظة الحالية يجب أن تملأ الوعي كلياً، لا شيء يجب أن يتم تذكره، لا شيء باستثنائها أو بالإضافة إليها يجب أن يكون موجودا في الوعي)


طيب دعونا الان نتحدث عن فائدة الموسيقى كعلاج، من الأمراض التي قد تُعالج بالموسيقى هي الحُبسة، وتعني أن الشخص لا يستطيع الكلام أو يكون محدود في تعبيره وعادة تحدث بعد السكتات الدماغية.

في مثل هذه الحالات استخدم الغناء مع الموسيقى لتحفيز المريض على التكلم ونجحت، فالغناء يفك هذه الحُبسة، ليس فقط يُأدون ألحانا وإنما يمتد ذلك ليشمل الأوبرا وترانيم وأغان.

ويقول أوليفر كلما رأيت مرضى بحُبسة تعبيرية، أغني لهم هابي بيرث دي لهم، والواقع أنعم جميعهم يبدأون بمشاركتي، مغنين اللحم، ونصفهم تقريبا سينطق بالكلمات تقريباً.

والسبب في ذلك أنه بالرغم من تشارك اللغة والموسيقى في الاليات اللفظية والصوتية، إلا أن هناك اختلافات رئيسية في تمثيل الكلام والأغنية في الدماغ.

هناك أيضا حالات من الحبسة تسمى الحبسة غير المتدفقة وتعني أن الشخص بالطبع لديه ضعف في المفردات والقواعد، يوجد لديه أيضا فقدان الشعور بإيقاع الكلام وتغيّر في طبقة الصوت.

هؤلاء الفئة بالذات هي من تستفيد إلى أقصى الدرجات من العلاج بالموسيقى، بل ويشعرون بحماس كبير عندما يكونون قادرين على غناء كلمات الأغاني، لأن ذلك يمنحهم الثقة في أن تدفق الكلام لا يزال ممكن البلوغ.

العلاج بالموسيقى أيضا مفيد لإزالة التثبيط بعد السكتات الدماغية، فبعد حدوث سكتة دماغية يحدث التالي: اللب أو المكان الذي حدث له دمار نسيجي هذا يكون غير قابل للاسترداد، وحول هذا اللب يوجد منطقة تكون وظيفتها مُضعّفة أو مثبّطة ... وهذه المنطقة المثبّطة إذا علاجنا الشخص بالموسيقى سيزول هذا التثبيط ويبدأ الشخص في الكلام، لذلك من المهم جدا البدء في العلاج بالموسيقى مباشرة بعد السكتات الدماغية .

وفي هذا الباب ما يسمى بالعلاج بالتنغيم، بحيث أن الجمل اليومية يكون لها لحن بسيط، مثل ( كيف حالك اليوم) ومن ثم يُزال التلحين والموسيقى شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي.


) موسيقى)

في سياق العلاج بالموسيقى سنكمل هذه الفقرة الأخير.

متلازمة توريت هي من المتلازمات التي كان للموسيقى أثر في علاجها، وهذه المتلازمة بشكل عام هي عباره حركات لا ارادية سريعة وغير منظمة تحدث للجهاز الحركي، مع إصدار أصوات في بعض الأحيان تُسمّى بالعرّات.

يعني تخيّل مثلا أن يدك فجأة تتحرك بدون إذنك بطريقة مفاجأة وقوية وتتكرر، هذا بالضبط ما يحدث مع أصحاب هؤلاء المتلازمة.

الموسيقى وإيقاعها يتدخلان للعلاج، فيقول أحد المصابين أن الموسيقى جزء ضخم من حياتي، يمكن أن تكون نعمة ونقمة على حد سواء عندما يتعلق الأمر بالعرات، يمكنها أن تقذفني في حالى تنسيني كل شيء عن المتلازمة أو يمكنها أن تُحدث جيش من العرات.

الموسيقى تحجب عند الكثير من الناس، فمجرد أن يبدأ الإيقاع حتى ينتظم الجسد كوحدة واحده، الغريب في الموضوع أنه يمكن أن تحدث تفاعلات استثنائية مبدعة عندما يكون شخص بمتلاومة توريت بأداء موسيقي، وخصوصا في الطبول.

فقد تم إنشاء حلقات للطبول في مدينة نيويورك للأشخاص المصابين بمتلازمة توريت، و وجدوا لهم جمهور يستمع لهم.

فيقول أوليفر أنه شاهد هؤلاء المصابين قبل البدء في دق الطبول وهم يتشنجون إراديا، ولكن ما إن بدأ قائد الحلقة بالدق على الطبل حتى بدأوا كلهم واختفت تشنجاتهم.

كان للموسيقى قوة مضاعفة، أولا لإعادة تشكيل نشاط الدماغ، وجلب الهدوء والتركيز إلى أناس كانوا مشغولين بحركات مفاجئة، وثانيا لتشجيع رابطة موسيقية كان افراده وحيدين اصبحوا فريقا واحدا.

الموسيقى لم تقف عند هذا الحد، بل أن قصة أخرى تروي أن امراة كبيرة في السن كانت تعاني من شلل في رجلة اليسرى، أجريت لها عملية ونجحت ولكن بقيت رجلها خاملة بعض الشيء، بالرغم من عدم وجود سبب تشريحي أو عصبي، ولكن بمجرد أن أُمطرت بوابل من الموسيقى والألحان بدأت رجلها تستجيب، و وصلت إلى مرحلة استردت فيها رجلها وجهازها الحركي الحسي بالكامل.

قبل أكثر من ألفي سنة، كتب أبقراط الفيلسوف أن أناس كسرت أوراكهم وتم معالجتها لمدة أِشهر ولكنه أستغرب أنهم لم يتذكروا كيف يمكن أن يمشون أو يقفون، ولكن مع تصوير الدماغ الوظيفي اتضح الأساس العصبي لهذا الكبت، فقد يكون هناك تثبيط أو إهماد في صورة الجسد وخريطته في الدماغ، فنحن قد ذكرنا في السابق أن كل عضو من جسدنا له تمثيل أو رسمه في الدماغ، فقد يفقد الطرف المصاب مكانة في صورة الجسد في الدماغ فيمتد باقي الجسد لملء هذا التمثيل الفارغ، وهنا تأتي الموسيقة لتدفع الجهاز الحركي المثبط أو المتلف للعمل مرة أخرى.


نأت الآن إلى أمراض اللحن الحركي، فأطباء الأعصاب يتحدثون عن الحركة السوّية على أنها تمتلك طبيعية أو سلاسة أو لحنا حركياً، يختل هذا التدفق السلس الرشيق للحركة في الباركنسونية ( الشلل الارتعاشي) ويصفها الأطباء ب التمتمة الحركية.

مرض الباركنسون هو مرض ارتعاشي يتميز برعشة دائمة في الأطراف في حال السكون، وأعراض أخرى كانحناء الظهر وبطء في الحركة إلخ.

في عام 1966 لم يكن هناك أي دواء نافع لهؤلاء المرضى لعلاج جمودهم وسكونهم الباركنسوني، ومع ذلك كان أمرا معروفا بين الممرضات والموظفين أن هؤلاء المرضى استطاعوا ان يتحركوا أحيانا بسهولة ورشاقة بدت مناقضه لباركنسونيتهم، وأن المسبب الأقوى لحركة كتلك كان في الواقع الموسيقى، والتي جعلت يستطيعون حتى الرقص رغم هذه الاعراض.

ولعلي هنا أذكر مقولة جميلة للكاتب الألماني الرومانسي نوفاليس حيث يقول: كل مرض هو مشكلة موسيقية، كل علاج هو حل موسيقي.

الموسيقى تعالج أيضا الأمراض النفسية فقد تساعد على إخراج الناس الفصاميين من عزلتهم وحياتهم اللاجتماعية بطريقة إنسانية وغير قسرية، فالخروج للحفلات يكون إيجابي لهم ومفيد.

كذلك كتب أحد المصابين بالاضطراب الثنائي القطب Biopolar Disorder وهو مرض يتنقل فيه الشخص بين حالات من المزاج القاسية، ففترة تراه منتعش وكثير الأفكار والحركة، ومن ثم ينتقل إلى حالة من الاكتئاب.

كتب قائلا: إذا جلست أمام البيانو ففي إمكاني أن أعزف واتناغم مع مزاجي، يمكنني أن أوافق ذلك المزاج المنتعش مع الموسيقى، وعلى نحو مماثل، إذا كان مزاجي مكتئبا كان بإمكاني أن أنعشه.

الموسيقى أيضا أثبتت غرابتها مع من أصيبوا بالزهايمر فأحدهم يكتب لأوليفر ( بالرغم من أن زوجتي مصابة بداء الزهايمر من سبع سنوات على الأقل، إلا أن شخصها الأساسي يبقى بشكل إعجازي، هي تعزف البيانو لعدة ساعات يوميا، بنحو جيد جدا، وطموحها الخالي أن تحفظ عن ظهر قلب كونشيرتو البيانو A- minor لشومان.


فكما شاهدنا أن الموسيقى هي مثل الأداة السحرية، والتي تُخرج أعماقاً لا يراه الإنسان في نفسه، فهي الذاكرة، وهي المشاعر، وهي العلاج، وهي اللحظة الحالية والوعي اللحظي الكلي.

أحببت في هذه الحلقة أن أذكر أهم الفصول والنقاط في هذا الكتاب، والإ فالكلام يطول جداً وأنصحكم بقراءة الكتاب، فهو مُترجم إلى العربية ومتوفر للجميع.

عنوان الكتاب مرة أخرى (نزعة إلى الموسيقى) لعالم الأعصاب: أوليفر ساكس

سأضع هذه التفاصيل في وصف الحلقة.

لا تنسوا الإشتراك في مواقع التواصل الاجتماعي للبودكاست، جميعها باسم The Brainy Brain

كذلك أرجوا منكم التعليق وتقييم البودكاست ومشاركته ليرتفع في التقييم وينتشر أكثر لمحبي العلم.


كان معكم نايف ناجي

اترككم بخير

25 views0 comments

Comentários


bottom of page